في كتاب (المعمرين والوصايا) وصايا عتيقة ما زال نورها يهب على أرواحنا كلما ضاقت طرق الفهم، ومن بينها تتقد وصية (المهلب بن أبي صفرة) لبنيه: "يا بَني، اتقوا الجواب وزلة اللسان؛ فإني رأيت الرجل تعثر قدمه فيقوم من زلته، فينتعش منها سويا، ويزل لسانه فيوبقه، وتكون فيه هلكته".

تبدو هذه الكلمات كأنها ختم على باب الوعي، تذكر بأن اللسان، على صغر شأنه في الجسد، أعظم الجوارح أثرا في المصائر. فالعثرة التي تسقط الجسد ينهض منها صاحبها، أما العثرة التي تخرج من الفم فقلما يشفى جرحها، وقلما يعود ما كسر منها إلى التمام.

الكلمة التي نقولها لا تموت، بل تستقر في أرواح الآخرين. نحن نظن أحيانا أن الكلام يتبدد حين ينتهي الصوت، لكن الحقيقة أنه يبدأ حين ينتهي، يبدأ في قلوب الناس، في فهمهم، في تأويلهم، في صورتهم عنا. كلمة خرجت منا بلا قصد قد تعيش سنوات في صدر إنسان، تؤذيه أو تسعده. وربما ننسى نحن ما قلناه، لكنه لا ينسى. وربما نقول حرفا نعده هينا، بينما يراه غيرنا ثقلا يكسر شيئا في داخله.

لهذا تبدو الوصايا القديمة أكثر حداثة من زماننا، لأنها تعلمنا أن الكلمة لا تزول بزوال لحظة قولها، بل تبقى حية، تكبر، وتتشعب، وتعيد تشكيل ملامحنا في وعي الآخرين، شئنا أم أبينا.

والصمت كما أحب أن أراه ليس انسحابا، بل سيادة على النفس. هو ذلك الستر الذي نحفظ به مقامنا حين تتكاثر حولنا دوافع الانفعال. وسط اشتداد العاطفة وارتفاع الأصوات، تبدو كلمة واحدة قادرة على أن تخلط الحق بالباطل، وأن تنزع عنا هدوءنا الذي تعبنا في بنائه.

الصمت يشبه بابا من حديد يغلق أمام الزلل، ونافذة من نور تبقي للقلب صفاءه. نحن لا نخسر بالصمت، بل نخسر بالكلام الذي لا يستحق أن يقال. وما لم نقله يزول، وما قلناه يظل يتردد في ذاكرة الزمن، إما شاهدا على رشدنا، وإما شاهدا على تهورنا. كثيرا ما أنقذنا الصمت من كلمة لو خرجت لأفسدت ما بنيناه بجهد السنين.

وزلة اللسان على صغرها قادرة على أن تغير وجه العلاقة بين شخصين. كلمة واحدة قد تجعل المسافة تتسع، والود يتراجع، والثقة تتهاوى. والعجيب أن القلوب وإن سامحت لا تنسى. الجرح المعنوي لا يلتئم كما يلتئم الجرح الجسدي؛ يحتاج إلى صدق، وإلى زمن، وإلى مواقف ترمم أثر ما انكسر.

وليس كل من جرح بكلمة قادرا على قول ما في داخله، وقد لا يبوح لك بأنه تألم، لكنك ستراه يبتعد خطوة ثم خطوة حتى تصبح المسافة أكبر مما تتوقع. وهذا ما يجعل زلات اللسان أخطر من زلات القدم؛ لأن الأولى تسقط الروح، بينما الثانية تسقط الجسد.

ومع كل هذا، يبقى التمهل قبل الجواب فضيلة نادرة. أن تمنح نفسك لحظة هدوء قبل أن تتكلم، أن تعيد وزن الجملة في ميزان الحكمة، أن تفكر: هل ما سأقوله يضيف نورا أم يزرع ظلاما؟

هذا التريث ليس بطئا، بل رشد. ليس خوفا، بل وعي بأثر الكلمة. وفي عالم تضج فيه الأصوات وتستفز فيه المشاعر بسهولة، يصبح التمهل ضربا من النجاة. كثيرون ندموا على ما قالوه، قليلون فقط ندموا على ما سكتوا عنه. الصمت لا يحاسبك عليه أحد، لكن الكلمة تظل تطالبك بتفسير وتبرير ومصالحة وربما لا تجد فرصة لكل ذلك.

ومع أن الحذر واجب، يظل اللسان بابا للخير قبل أن يكون بابا للزلل. الكلمة الطيبة نور، والعبارة الصادقة دواء. كم من روح نهضت بكلمة، وكم من قلب انشرح بعبارة، وكم من إنسان عاد إلى الحياة لأن شخصا ما قال له جملة تحمل بعض الرحمة.

اللسان الذي قد يهلك، هو ذاته الذي يرمم، ويصالح، ويجمع. والعاقل من جعل كلامه ميراثا حسنا، لا يخجل حين يروى، ولا يجرح حين يتذكر. فالكلمة التي تحيي أجمل من الكلمة التي تهلك، ومن أحسن استعمال لسانه أحسن وجه أيامه.

وهكذا يبقى معنى وصية المهلب حيا: احفظ لسانك ليحفظك، وزن كلامك ليوزن لك، واترك أثرا يليق بك فالكلمات تشهد علينا، وتكتب طريقنا، وتبقى بعدنا.