يقول صديقي السوداني: كلما قرأت منشورا مسيئا أو سمعت من يشكك في مواقف المملكة العربية السعودية، أو يحاول إنكار ما قدمته للعرب وقضاياهم، خطر ببالي قول المتنبي:
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل

نعم، هناك حقائق تلوح لكل ذي عقل كالشمس في رابعة النهار، لا ينكرها إلا جاهل أو صاحب هوى، كما ينكر الأعمى نور الشمس. كذلك هي مواقف المملكة العربية السعودية الراسخة التي تشهد لها الأيام قبل الكلمات، وتحفظها الوقائع وإن أنكرها أصحاب الشعارات، ممن أعمت أبصارهم الأحقاد، وحال دون امتداد بصائرهم ضباب الحسد أو الجهل، فعميت عما أبصره الأباعد، واحتفت به صفحات التاريخ وسير العطاء.

الحقيقة أن التقاطة صديقي "أبو صالح" جعلتني أتوقف طويلا أمام هذه المفارقة المؤلمة؛ دولة تبذل المال، وتسطر الأفعال منذ عقود، ومواقفها مواقف بناء وإسناد واستقرار، وكثير منها كان مصيريا في أثره على استقرار دول وشعوب. فكم مرة أسهمت في إنقاذ دول من شبح الانهيار الاقتصادي، أو الفشل السياسي، أو حتى الاحتراب الأهلي، ثم كانت المكافأة في كثير من الأحيان هجوما لا تعاونا، وجحودا لا اعترافا ولا شكرا.

لقد بقيت المملكة العربية السعودية، منذ عهد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، سندا لقضايا الأمة العربية والإسلامية، ورافدا للاستقرار والعمل الإنساني والسياسي، وهي مواقف وثقتها الأحداث قبل أن تتداولها المنابر ووسائل الإعلام. ولذلك فإن إنكارها أو التقليل من شأنها لا يغير من حقيقتها شيئا، فالحقائق الكبرى لا تقاس بضجيج المشككين، بل بما تركته من أثر، وما شهدت به الأيام.

ولا شك أن تباين المصالح، واختلاف الرؤى السياسية، وتعدد الاصطفافات الأيديولوجية، كلها عوامل تفسر جانبا من هذا المشهد. لكن موضع الاستغراب يبرز حين تصدر مواقف الجحود ممن نالهم جود المملكة ودعمها السياسي والاقتصادي والإنساني والأمني بما تعجز الأرقام عن حصره، حتى يقف المرء حائرا لا يدري بأي عبارات الدهشة يبدأ، وأي أبواب العجب يطرق. لتأتي الحكمة العربية القديمة: "اتق شر من أحسنت إليه"، من أعماق التاريخ، تعزية وتذكيرا بأن الإحسان لا يصنع من الحاسد محبا، ولا من العدو صديقا.

الحقيقة أن أهداف الحملات المسيئة إلى السعودية لم تتغير بقدر ما تغيرت أدواتها. فالغاية ما زالت هي تضليل الشعوب وتزييف الوعي، غير أن وسائل التنفيذ أصبحت أكثر سرعة وانتشارا؛ إذ تحولت بعض المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لحملات منظمة تستثمر في العاطفة، وتجتزئ الوقائع من سياقاتها، وتعيد تأويلها بما يخدم رواياتها، وتروّج لنظريات المؤامرة، مستفيدة من سرعة انتشار المعلومة، ومن أدوات التزييف العميق، ومن ميل الجماهير إلى التفاعل مع الخطاب المشحون أكثر من تفاعلها مع الحقائق المجردة.

ومشكلة هذه الحملات أنها لا تستهدف موقفا بعينه بقدر ما تستهدف الوعي ذاته؛ فالتكرار المستمر كفيل بصناعة الشك، وتراكم الرسائل المضللة قادر على تشويه الحقائق لدى من لم يعاصر الأحداث أو يطلع على التاريخ. وحين يغيب التوثيق المهني، وتضعف الرواية الرصينة، يصبح المجال مهيأ لمن يرفع صوته أكثر، لا لمن يملك الحقيقة.

ولذلك فإن التعامل مع هذا النوع من التشويه لا يكون بالانفعال، ولا بالاكتفاء بالاستنكار، بل بفهم طبيعة المعركة الإعلامية الحديثة، وتطوير أدوات الخطاب، وتوثيق المواقف التاريخية بلغة الأرقام والشواهد، وصناعة محتوى مهني قادر على مخاطبة العقول قبل العواطف، واستحضار الذاكرة التاريخية للأمة بعيدا عن ضجيج اللحظة وتقلباتها.

ولعل أخطر ما ينبغي التنبه إليه أن حملات التشويه، إذا تركت دون مواجهة واعية، فإنها تعبث بذاكرة الشعوب، وتعيد تشكيل وعي الأجيال الجديدة وفق روايات مبتورة ومواقف انتقائية، وهو ما يفرض على المؤسسات الإعلامية والثقافية مسؤولية مضاعفة في حماية الحقيقة من التشويه، وصيانة الوعي من التضليل، وتوثيق المواقف بلغة الوقائع لا الشعارات.