المانحون... شركاء في تنمية الباحة
مطير سعيد الزهراني3 دقائق للقراءةحجم الخط
في اللقاء الذي جمع قيادات الجمعيات الأهلية بمنطقة الباحة مع نائب الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، الأستاذ أحمد البدر، دار نقاش ثري حول واقع القطاع في المنطقة، وما يواجهه من تحديات، وما يملكه من فرص قابلة للنمو، وكان من بين المقترحات التي طرحتها في ذلك اللقاء تأسيس مجلس للمانحين بمنطقة الباحة؛ وهي فكرة أرى أنها تستحق أن تنتقل من إطار الاجتماع إلى مساحة النقاش العام، لما تحمله من قدرة على إعادة تنظيم العلاقة بين العطاء والتنمية.
وقد عرفت الباحة عبر تاريخها رجال أعمال أسهموا بسخاء في مساندة المحتاجين، ورعاية المبادرات، ودعم أعمال البر والخدمة المجتمعية، وهذا الرصيد الإنساني يمثل أساسا متينا لأي مشروع تنموي جديد، لأن المجتمع الذي يمتلك ثقافة العطاء يمتلك أهم عناصر البناء؛ غير أن التحولات التي يشهدها القطاع غير الربحي اليوم تفرض الانتقال بهذه الجهود من المبادرات المتفرقة إلى منظومة تجمع الموارد والخبرات حول أولويات واضحة للمنطقة.
وفي الجهة المقابلة، تمتلك جمعيات الباحة أفكارا ومشروعات في التعليم والصحة والتمكين والموهبة والتنمية الأسرية والعمل التطوعي؛ إلا أن كل جمعية تتحرك غالبا داخل نطاقها، وتبحث عن التمويل لكل مبادرة على حدة، بينما تصل إلى رجال الأعمال طلبات متعددة، تتفاوت في جودتها، ووضوح أهدافها، وقدرتها على إحداث أثر مستدام، ومع تعدد القنوات، تصبح الحاجة ملحة إلى جهة تنسيقية تمنح المانح صورة أشمل عن الاحتياجات والفرص.
ومن هنا تبرز فكرة مجلس المانحين بمنطقة الباحة، بوصفه منصة تجمع رجال الأعمال والشركات والأوقاف والجهات الداعمة مع مجلس الجمعيات الأهلية، وتعرض أمامهم خريطة المشروعات ذات الأولوية، وخططها، وموازناتها، ومؤشرات قياس أثرها، ويختار كل مانح المجال الأقرب إلى اهتمامه وخبرته، ضمن بيئة واضحة تحمي الموارد، وتعزز الثقة، وتدعم جودة التنفيذ.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذا المجلس في أنه يرفع المانح من موقع الممول إلى موقع الشريك في صناعة التنمية، فرجل الأعمال لا يملك المال وحده، وإنما يملك الخبرة الإدارية، والقدرة على قراءة الفرص، وشبكة العلاقات، وفهم الاستدامة، وحين تدخل هذه الخبرات إلى المشروعات الاجتماعية منذ مرحلة التصميم، تصبح المبادرات أكثر نضجا، وتتحسن قدرتها على مواجهة المشكلات، وتزداد فرص استمرارها بعد انتهاء التمويل الأول.
كما يمنح المجلس الشركات مسارا منظما لمسؤوليتها الاجتماعية، ويحول مساهماتها إلى استثمارات اجتماعية قابلة للقياس والتوثيق، فالمانح يحتاج إلى مشروع موثوق، وهدف محدد، ونتائج يمكن متابعتها، وهذه المتطلبات تنسجم مع منطق العمل المؤسسي والحوكمة، وتمنح العطاء قيمة تتجاوز الدعم الآني إلى بناء أثر ممتد في الإنسان والمكان.
ويبدو مجلس الجمعيات الأهلية بمنطقة الباحة الجهة الأقرب إلى قيادة هذه المبادرة، بالتنسيق مع المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، وغرفة الباحة، والجهات ذات العلاقة، فهو قادر على جمع المشروعات، وتصنيفها، ووضع معايير لعرضها، وتهيئة مساحة حوار منتظمة بين المانحين والجمعيات، بما يجعل التنمية مسؤولية مشتركة تتحرك وفق رؤية واضحة.
إن الباحة لا تحتاج إلى مزيد من الطلبات المتفرقة، بقدر حاجتها إلى طاولة تجمع أصحاب العطاء بأصحاب المبادرات، وتربط الموارد بالأولويات، والخبرة بالمشروع، والتمويل بالأثر، وحين يتشكل هذا الإطار، يصبح المانح شريكا في صناعة مستقبل المنطقة، ويغدو عطاؤه جزءا من إرث تنموي يظل حاضرا في كل طالب تعلم، وكل موهبة اكتشفت، وكل أسرة استقرت، وكل شاب وجد فرصة جديدة.
