هناك لحظات لا تحتاج إلى ضجيج كي تفهم؛ لحظات يكفي أن تنظر فيها إلى خارطة الأحداث لتشعر بأن العالم يتغير أمامك بصمت أثقل من أي خطاب.

بالنسبة لي، كانت الأسابيع الماضية واحدة من تلك اللحظات التي دفعتني إلى إعادة التفكير في معنى أمن الطاقة؛ ليس كملف اقتصادي فحسب، بل كمرآة تكشف هشاشة النظام الدولي.

لقد بدا المشهد وكأن خطوط الطاقة العالمية تحولت إلى مسرح لحرب غير معلنة، تدار بالصواريخ والمسيرات، وبالرسائل السياسية، وبالقدرة على تعطيل حياة ملايين البشر بضربة واحدة.

ما يحدث في روسيا لا يمكن اختزاله في عنوان "تطور في الحرب".

فأوكرانيا لم تعد تستهدف خطوط الإمداد القريبة من الجبهة، بل وصلت إلى عمق يتجاوز 1,500 كيلومتر، ضاربة مصافي ومرافئ تعد شرايين الاقتصاد الروسي.

مشهد الطوابير أمام محطات الوقود في موسكو لم يكن مجرد صورة عابرة؛ كان تذكيرا بأن الدول العظمى يمكن أن تشل أمام مسيرة لا يتجاوز ثمنها آلاف الدولارات.

روسيا، بكل ما تملكه من قوة ونفوذ، وجدت نفسها عاجزة عن حماية قلبها الاقتصادي. وهذا وحده درس لا يمكن تجاهله في زمن تتغير فيه قواعد الردع.

الهجمات الأوكرانية لم تستهدف المصافي فقط، بل ضربت خطوط التكرير، ومرافئ التصدير، ومنشآت التخزين، ومحطات الضخ.

وبحسب تقديرات موثوقة، تعطل نحو ثلث القدرة التكريرية الروسية، ما دفع موسكو إلى فرض قيود على مبيعات الوقود وإعلان حالة طوارئ في بعض المناطق.

كانت الرسالة الأوكرانية واضحة:

"لن نسمح لكم بتمويل الحرب من النفط".

ورغم بساطتها، قلبت هذه الرسالة معادلة الحرب رأسا على عقب.

في المقابل، نعيش في الخليج لحظة حساسة لا يمكن التعامل معها كخبر عابر، فالهجمات الإيرانية المرتبطة بالحرب الأمريكية‑الإسرائيلية لم تكن مجرد رسائل سياسية، بل ضربات أصابت منشآت حيوية في السعودية والكويت وقطر والإمارات، ورفعت أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 120 دولارا.

ما حدث خلال الأسابيع الماضية كشف أن منشآت الطاقة، مهما كانت محصنة، تبقى أهدافا مكشوفة في زمن المسيرات منخفضة الارتفاع، فضربة واحدة يمكن أن توقف إنتاجا يساوي ملايين البراميل، وتربك أسواق آسيا وأوروبا خلال ساعات.

وبالنسبة لي، ككاتب سعودي، أعرف أن أمن الطاقة ليس مجرد قطاع اقتصادي، بل جزء من الهوية الوطنية، ومن الاستقرار الاجتماعي، ومن قدرة الدولة على التخطيط للمستقبل بثقة.

لذلك، فإن أي تهديد لمنشآت الطاقة هو تهديد مباشر لوتيرة التنمية التي نعيشها اليوم... وللطمأنينة التي نعيشها كل صباح.

ما يقلقني ليس كل أزمة على حدة، بل تزامنها، روسيا تتعطل، الشرق الأوسط يشتعل، إيران بدأت باستهداف مرافق الطاقة، الولايات المتحدة وإسرائيل في حالة اشتباك مفتوح، وأسعار النفط تقفز كما لو أنها تقيس نبض العالم لا قيمة البرميل.

هذا التشابك يجعل أي هجوم جديد - في أي مكان - قادرا على دفع السوق إلى حالة فوضى يصعب احتواؤها.

وفي عالم مترابط بهذا الشكل، يمكن لضربة في سيبيريا أن ترفع الأسعار في الرياض، وهجوم في الخليج العربي أن يربك أسواق أوروبا، وتعطل مصفاة في روسيا أن يغير حسابات واشنطن.

ما الذي يجب أن نفعله في دول الخليج العربي؟

أولا: تعزيز الدفاعات الجوية: خصوصا ضد المسيرات منخفضة الارتفاع التي أثبتت فعاليتها، فالدفاع الجوي التقليدي لم يعد كافيا، ويجب تطوير طبقات دفاع متعددة تشمل رادارات قصيرة المدى، أنظمة تشويش الكتروني، دفاعات سيبرانية، وحدات اعتراض سريعة.

ثانيا: رفع الاحتياطيات الاستراتيجية: الخطر اليوم يهدد التكرير بقدر ما يهدد الإنتاج، فوجود مخزونات كبيرة من الوقود والمنتجات المكررة أصبح ضرورة أمنية، لا مجرد خيار اقتصادي.

ثالثا: تنويع مسارات التصدير: تقليل الاعتماد على الموانئ المكشوفة في الخليج العربي، وتعزيز البدائل في البحر الأحمر، وتطوير خطوط الأنابيب العابرة للحدود.

وهذا ما بدأت السعودية العمل عليه منذ انطلاق الحرب خدمة لها وباقي دول الخليج العربي. ولقد تحدثت عن ذلك في مقالات سابقة.

رابعا: تسريع التحول الطاقي: ليس كخيار بيئي، بل كضرورة أمنية واقتصادية.

فالطاقة المتجددة لا يمكن قصفها بسهولة، ولا يمكن تعطيلها بضربة واحدة.

خامسا: تعزيز التعاون الخليجي: أمن الطاقة لا يمكن أن يكون مشروع دولة واحدة، فالتنسيق الخليجي الاستخباراتي، والدفاعي، والاقتصادي أصبح ضرورة وجودية.

في لحظة تتقاطع فيها النيران بين روسيا والخليج، يصبح السؤال الحقيقي:

هل نكتفي بمتابعة المشهد، أم نعيد تعريف مفهوم أمن الطاقة بما يناسب عالم اليوم؟

بالنسبة لي، الإجابة واضحة:

لا بد من التحرك.

الخليج ليس مجرد منتج للطاقة... بل هو مركز استقرار عالمي، وأي خلل فيه ينعكس على الجميع.

وربما... في هذا العالم الذي يشتعل من أطرافه، يصبح الدفاع عن الطاقة دفاعا عن معنى الحياة نفسها.