جودة الأثر أولى من كثرة العمل
عبدالله فدعق3 دقائق للقراءةحجم الخط
في بدايات الحياة، يكون النجاح مرتبطا بالحركة، وبالفرح بكل مسؤولية جديدة، وبكل إنجاز يضاف إلى الرصيد، وبكل باب يفتح، ويكون من الطبيعي أن يسعى المرء إلى توسيع خبراته، وإثبات قدراته، وصناعة مكانته، فهذه مرحلة البناء، والعمر لا يمنح الإنسان سنوات إضافية فحسب، بل يمنحه معيارا جديدا ينظر به إلى الأشياء، فما كان يعد نجاحا في أول الطريق، قد لا يكون هو النجاح نفسه في آخره.
مع تراكم خبرات الإنسان يزداد اليقين بأن كل عمل صالح لا ينبغي أن يقوم به الإنسان بنفسه دائما، وليس كل فرصة تستحق أن تغتنم، وليس كل باب مفتوح ينبغي أن يطرق؛ فقد تكون الحكمة في الاعتذار، كما تكون في القبول، وفي الترك، كما تكون في الفعل، وهنا لا بد أن يغير المرء السؤال الذي كان يردده على نفسه، فبدلا من أن يقول ماذا أستطيع أن أفعل؟ عليه أن يقول ما الذي يستحق أن أفعله؟ والفرق بين السؤالين كبير؛ فالأول يبحث عن القدرة، أما الثاني فيبحث عن الأولوية.
ليس من الحكمة البالغة أن يظل الإنسان يحاكم نفسه بالمعيار الذي كان يناسبه يوما ما؛ فلكل مرحلة ميزانها؛ ففي البدايات قد يكون الاتساع في التجربة هو المطلوب، أما بعد نضج الخبرة فإن حسن الاختيار يصبح أعظم من كثرة المحاولات، وعندئذ لا يكون النجاح في أن يضيف المرء إلى جدول أعماله مهمات جديدة، بل في أن يحذف منها ما لم يعد يخدم رسالته، وخاصة أن التقدم الحقيقي لا يقاس بما ازدادت به الانشغالات، وإنما بما ازداد به اليقين الذي يصبح به أكثر قدرة على قول: «هذا أولى»، و«هذا يمكن أن يقوم به غيري»، و«هذا لا يستحق أن يقتطع جزءا من وقتي».
ختاما.. الانتقال من إدارة الوقت إلى إدارة العمر، انتقال لا يبلغه إلا من أدرك أن الأيام مورد محدود، وأن أعظم الخسارة ليست في ضياع الجهد، بل في إنفاقه في غير موضعه؛ وخاصة أن كثيرا ما ينشغل الإنسان بالأعمال الصغيرة لأنها عاجلة، ثم يكتشف بعد سنوات أنها استهلكت من عمره ما كان أولى أن يصرف في مشروع أكبر، أو علم أنفع، أو أثر أبقى؛ ولا شك أن من أهم علامات النضج أن يدرك الإنسان أن كثرة الإنجاز ليست دائما دليلا على عظم الأثر، وأن القيمة الحقيقية لا تقاس بعدد ما أنجز، بل بما يبقى نفعه بعد انقضاء الجهد؛ ولذلك فإن أجمل ما يفعله المرء في مرحلة النضج أن يبدأ بتحويل خبراته إلى فكرة تكتب، أو علم يعلَّم، أو مؤسسة تبنى، أو منهج يواصل السير بعد صاحبه؛ فهذه هي الأعمال التي يمتد عمرها أكثر من عمر أصحابها، ومن الحكمة أن يتخفف الإنسان من بعض ما يحسن القيام به، لا سيما أن الزمن محدود، والعمر لا يتسع لكل شيء، وعندما ينجح في إعادة ترتيب أولوياته، يكون قد انتقل من إدارة أعماله إلى قيادة حياته، واستوعب أن الحياة لا تقاس بكثرة ما نملأ به أيامنا، وإنما بحسن ما نملأ به أعمارنا، وتلك هي النقلة التي تصنع الفارق الحقيقي؛ ولعل من أنفع ما يراجع به الإنسان نفسه بين حين وآخر أن يكرر على نفسه القول بأنه ليس المهم أن أصل إلى نهاية الطريق وقد فعلت أشياء كثيرة، بل أن أصل وقد تركت أثرا يستحق أن يواصل السير، ويبقى نفعه ممتدا عندما تنتهي الرحلة.
