في الثقافة الشعبية المصرية تعد «النداهة» بمثابة المرأة الأسطورية التي تظهر في الأرياف والحقول وقريبة من الترع ومصارف المياه. تنادي هذه المرأة الناس بأسمائهم بصوت عذب محاولة إغراءهم للقدوم إلى المكان حتى يختفوا في المجهول. تنتشر هذه الأسطورة في الأرياف المصرية وتتناقلها الأجيال، وتحمل دلالة شعبية عميقة مفادها أن مغادرة المكان دون اتخاذ الاستعداد اللازم له عواقب وخيمة. الإنسان الريفي عليه أن يحتاط قبل مغادرة المكان، فمهارته تكمن في خبرته في التعامل مع الريف وثقافته وقيمه الاجتماعية، وعندما يغادر إلى مكان آخر سوف يفقد هذه المهارات.

استخدم الروائي يوسف إدريس هذه الأسطورة الشعبية بشكل رمزي ليعبر عن قوة الإغراء التي يمكن أن تمارسها المدينة تجاه سكان القرى والأرياف. تجتذب المدن الكبرى سكان الريف من الشباب الطامحين لتحسين مستويات الدخل وسبل المعيشة لتحقيق أحلام الثراء؛ ولكن دون أن يحملوا المهارة الكافية التي تخولهم للعمل في وظائف المدينة. يستجيب الإنسان الريفي لهذا النداء فيغادر القرية دون استعداد كاف، فهو لا يملك التعليم الكافي، ولا المهارة التي تخوله للدخول لسوق العمل. وهكذا يعمل في المهن الدنيا ويواجه أزمة خانقة في الحصول على سكن مناسب.

النداهة أو المدينة التي تخيلها يوسف إدريس ليست الوجهة المثالية، حيث يواجه الإنسان الريفي مجتمعا متنوعا، القاسم المشترك بينهم هو العمل وتبادل المصالح. ومع مرور الوقت يصاحب هذا الانتقال شعور بالوحدة وفقدان الهوية، وهو ما نسميه في التخطيط العمراني «المدينة المزدوجة» أي - الإنسان الريفي - يحتفظ من جهة بانتمائه الريفي؛ ومن جهة أخرى غير قادر على الانصهار في الحياة الحضرية السريعة لكونه لا يملك الأدوات والمهارات التي تخوله للاندماج مع مجتمع المدينة. إن توسع المدن الكبرى والنمو العمراني يأتيان كنتيجة حتميه لتركز الوظائف والاستثمارات في المناطق الحضرية، وهذا يقابله هجرة وتضخم سكاني. يؤدي هذا التوسع غير المدروس إلى ارتفاع في أسعار المسكان وتكاليف المعيشة. وفي المقابل، تخسر المناطق الريفية جزءا كبيرا من السكان والطاقة الإنتاجية التي يمثلها الشباب، فتزداد الفجوة الإقليمية لنجد تركزا حضريا في مدينة واحدة على حساب بقية المدن الصغيرة والأرياف.

إن رواية «النداهة» والتي تحولت لاحقا إلى فلم سينمائي عام 1975 لها دلاله رمزية عميقة تؤكد أن صخب المدينة وما تحمله من مغريات يمكن أن يخفي خلفها مجموعة من التحديات الثقافية والحضرية. وأن المدينة والريف يتكاملان ليشكلا معا منظومة تنموية؛ فالمدينة لا يمكنها أن تكون فاعلة بلا ريف منتج؛ كما أن الريف لا يمكنه الاستمرار بلا مدينة تعمل على تسويق منتجاته.

الريف يمد المدينة بالغذاء والموارد، في حين يستفيد الريف من المدينة بالخدمات الصحية والأسواق وفرص الاستثمار. وعندما يضعف الريف بهجرة سكانه وتحولهم إلى العمل في المدينة تتلاشى قدرة الريف على دعم المدينة، وتتضخم المدن وترتفع أسعار الإسكان. ومن هنا تأتي أهمية التخطيط الإقليمي لحفظ التوازن بين المدن والأرياف وتوفير فرص عمل تمكن السكان من البقاء في الريف دون هجرة. إن السياسات الإقليمية الحديثة تؤكد على تنمية الريف والمدن الصغيرة كرافد لاستدامة المدن الكبرى، ويشمل ذلك دعم الصناعات الريفية والزراعية وإنشاء المدن الصناعية وتعزيز الوصولية إلى المناطق الريفية لربطها بالأسواق.

باختصار، وحتى لا تتحول المدن الكبرى إلى «نداهة» فالتنمية المستدامة هي نتيجة حتمية للتنمية المتوازنة بين الريف والحضر.