لم يعد الوعي مجرد إدراك عابر يمر على أطراف الفكرة، بل صار تحديا يقتضي الغوص في أعماق التجربة لربطها بنبض واقعنا المتغير. وما دمنا نحمل أمانة الكلمة في حناجر أقلامنا، فإن خيارنا الدائم يظل هو احتواء القضايا وتحليلها، لا الاكتفاء برصدها؛ فالإخلاص للفكر هو البوصلة التي توقد دروبنا نحو الحل، والجسر الذي نعبر من خلاله من ضيق القوالب العقلية المتكلسة إلى رحابة الرؤى الطموحة.
لا أزعم أن الوعي الفعال حالة معممة، بل هو جوهرة نادرة لا تتجلى إلا في المساحات التي يمتزج فيها ثقل المسؤولية بجرأة القرار. هو ليس ترفا فكريا يشترى، بل استخلاص لمواقف مفصلية، ونتاج لضغط تجارب لا يصمد أمام صهرها إلا من امتلك بصيرة نافذة، وعينا لا تكتفي بظاهر المشهد، بل تقرأ ما وراء الستار.
هنا تحديدا نصطدم بـ"الانفصام" الموجع؛ فبينما ننظر للوعي كقيمة متعالية، نجد واقعنا الرياضي يكبل بآليات إدارية جافة تفرغ العمل الفني من روحه الإبداعية. إن غياب الحس الفني في إدارة مشاريعنا ليس مجرد تعثر إجرائي، بل هو فجوة سحيقة بين ما نطمح إليه من عمق، وبين ما نمارسه من عشوائية تنفيذية. هذه الحلقة المفقودة هي التي تئد أفكارنا قبل أن تنضج، وتجعل من "المسؤولية الفنية" مجرد صدى لشعار يفتقر للجسد، مما يستنهض فينا ضرورة وصل العمق بالوعي لتصحيح المسار.
إن دمج المسؤولية الفنية بالوعي الفكري لا يزال حلما منقوصا؛ فنحن في أمس الحاجة إلى "بصيرة فنية" تدير مشاريعنا، تتجاوز روتين الإدارة إلى فضاء الإبداع. التغيير العميق لا يولد من رحم الشعارات الباردة، بل من وثيقة عمل نبضها الفكر وعقلها الوعي، لتتحرر أفكارنا من الركون إلى الآليات التقليدية التي ترهن الإبداع في زنزانة التكرار.
ولأننا لا نكتفي بوقفة الناقد أو المترقب، فإن هذه الحلقة الناقصة لن تكتمل إلا بتبني منهجية "المسؤولية الإبداعية". إنها دعوة صريحة للاتحادات والهيئات الرياضية لتبني "ميثاق الجودة الإبداعية"، ليكون معيارنا في اختيار الكفاءات هو تلك المحصلة التي تؤلف بين العمق والوعي، لا مجرد الإنجازات التي تلمع لبرهة ثم تذوي، دون أن تترك أثرا حقيقيا في وجدان الجماهير ووعيها.
ففي النهاية، تتراكم السحب لتمنحنا مشهدا يملأ الأفق، والحياة لا تقف عند لحظة خيبة، فكل صباح هو محطة جذب للمتأملين، وحلم كبير يشرع أبوابه للطموحين. ومهما تعددت عثرات المشهد، سيظل القارب الغارق أسيرا لقاع البحر، ولن تستقيم حركة الهواء وتتغير ملامح الرحلة إلا بعمل جبار؛ بعمل "صائدي الفرص" و"ربابنة البحار" الذين لا يرضون بغير القمة مستقرا، فاستقامة المسار وتصحيحه قيمتان حضاريتان تصلان بنا إلى طرق أكثر أمانا ومسؤولية.
إن ما ينقذ «الغريق» في أعماق البحار المظلمة هي تلك اليد التي تدير السفينة بإحكام، وربان يتقن المسار والتوجيه حتى يقتنص فرصة الإنقاذ؛ فالعمق بحاجة إلى رؤية إدارية وفنية، والوعي يتطلب جهدا رياضيا مستمرا، وبينهما تكمن المعضلة التي تغيب المشهد الرياضي عن جوهره الإبداعي.
3ny_dh@
الوعي الفني.. غرق في العمق الإبداعي "الرياضي"
عائشة العتيبي3 دقائق للقراءةحجم الخط
