أصبح السكر الخفي أحد أبرز التحديات الغذائية في العصر الحديث، إذ يستهلكه كثير من الناس يوميا دون أن يدركوا ذلك، وعلى الرغم من ارتباط السكر في أذهاننا بالحلويات والمشروبات الغازية، فإن الحقيقة أن كميات كبيرة منه تختبئ داخل العديد من الأطعمة المصنعة التي تبدو صحية أو عادية للوهلة الأولى، ولكن مع تزايد معدلات زيادة الوزن والسمنة والسكري وأمراض القلب بين الأطفال والبالغين، تتصاعد التحذيرات العلمية من الإفراط في استهلاك هذا النوع من السكريات.  

وكلمحة صحية، فإن السكر الخفي هو السكر المضاف إلى المنتجات الغذائية أثناء التصنيع، لكنه لا يكون واضحا للمستهلك، وقد يظهر تحت أسماء مختلفة مثل شراب الذرة عالي الفركتوز، وسكر القصب، والمالتوز، والدكستروز، والجلوكوز، والعسل المضاف، وغيرها من المسميات التي قد لا ينتبه إليها كثير من الناس عند قراءة الملصقات الغذائية، ويكمن خطره في أن الإنسان قد يستهلك كميات كبيرة منه دون الشعور بأنه تناول سكرا فعليا، ولا يقتصر وجود السكر الخفي على الحلوى والشوكولاتة، بل يوجد في عدد كبير من المنتجات اليومية، ومن أبرزها حبوب الإفطار الجاهزة، الزبادي المنكه بالفواكه، العصائر المعلبة ومشروبات الفاكهة، المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة، الصلصات الجاهزة مثل الكاتشب وبعض أنواع تتبيلات السلطة، البسكويت والوجبات الخفيفة المصنعة، بعض أنواع الخبز والمعجنات التجارية، الوجبات الخفيفة المكيسة التي تسوق على أنها صحية.

والواقع أن الإفراط في تناول السكر الخفي يؤدي إلى مجموعة واسعة من المشكلات الصحية مع مرور الزمن، فعندما ترتفع مستويات السكر في الدم بشكل متكرر، يضطر الجسم إلى إفراز كميات أكبر من الإنسولين، مما يزيد مع مرور الوقت من خطر الإصابة بزيادة الوزن ومن ثم السمنة ومقاومة الإنسولين وقد يصل الأمر - لا قدر الله - في حال عدم تصحيح نمط الحياة إلى السكري من النوع الثاني، بالإضافة إلى ذلك قد يرتبط الاستهلاك المرتفع للسكر بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب وتراكم الدهون في الكبد وتسوس الأسنان.

ومن الناحية العلمية تشير أبحاث حديثة إلى أن الإفراط في تناول الأطعمة فائقة التصنيع والغنية بالسكريات المضافة يرتبط أيضا بمشكلات نفسية واستقلابية متعددة، إضافة إلى زيادة مخاطر بعض الأمراض المزمنة، فقد شهدت السنوات الأخيرة صدور العديد من الدراسات المهمة التي دقت ناقوس الخطر بشأن استهلاك السكر، ففي عام 2024 نشرت مجلة BMJ دراسة عالمية شملت بيانات من 185 دولة، وأظهرت استمرار ارتفاع استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر بين الأطفال والمراهقين في كثير من مناطق العالم، محذرة من آثارها الصحية طويلة المدى، كما كشفت مراجعة علمية واسعة نشرت عام 2024 أن الاستهلاك المرتفع للأطعمة فائقة التصنيع، والتي غالبا ما تحتوي على نسب كبيرة من السكر المضاف، يرتبط بعشرات النتائج الصحية السلبية تشمل أمراض القلب والسكري واضطرابات الصحة النفسية، فيما أظهرت مراجعة منهجية أجرتها جامعات برازيلية ونشرت عام 2025 أن الأطفال والمراهقين الذين يستهلكون كميات أكبر من المشروبات السكرية والحلويات والأطعمة فائقة التصنيع أكثر عرضة لسلوكيات تشبه التعود الغذائي وزيادة استهلاك السعرات الحرارية.  

والواقع أن الأطفال يميلون بطبيعتهم إلى المذاق الحلو أكثر من البالغين، وقد يعود ذلك إلى عوامل بيولوجية مرتبطة بالنمو والحاجة إلى الطاقة، كما أن السكر يحفز مراكز المكافأة في الدماغ، ما يمنح الطفل شعورا مؤقتا بالمتعة والسعادة.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن الإفراط في تناول السكريات المضافة لا يقتصر تأثيره على الوزن وصحة الأسنان فقط، بل قد يمتد إلى وظائف الدماغ والسلوك اليومي، فالاستهلاك المتكرر للأطعمة الغنية بالسكر يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستوى الجلوكوز في الدم يتبعه انخفاض حاد، وهو ما قد ينعكس على التركيز والانتباه والمزاج، خاصة لدى الأطفال، وبذلك حذرت دراسات حديثة من أن الاعتماد المفرط على الأغذية والمشروبات السكرية قد يرتبط بزيادة مشكلات الانتباه وضعف جودة النظام الغذائي لدى الأطفال والمراهقين. 

إلى جانب ذلك، تلعب الإعلانات التجارية والتغليف الجذاب والاعتياد المبكر على الأطعمة المصنعة دورا كبيرا في تعزيز تفضيل الأطفال للأطعمة السكرية، إذ تشير دراسات حديثة إلى أن الأطفال الذين يستهلكون كميات أكبر من المشروبات المحلاة والحلويات يميلون إلى طلبها بشكل متكرر مقارنة بأقرانهم.  
يظل السؤال هنا: كيف يمكن الحد من استهلاك السكر الخفي؟

الجواب: ينصح للحد من استهلاك السكر الخفي اتباع بعض الخطوات وهي: الحرص على قراءة الملصقات الغذائية بعناية والتعرف على أسماء السكر المختلفة، استبدال العصائر المعلبة بالماء أو الفواكه الطازجة، الحد من شراء الوجبات الخفيفة المصنعة والحلويات الجاهزة، اختيار الزبادي الطبيعي غير المحلى، إعداد الوجبات المنزلية قدر الإمكان، تعويد الأطفال تدريجيا على المذاقات الطبيعية للفواكه والخضراوات، جعل الماء المشروب الأساسي داخل المنزل، تجنب استخدام الحلويات كمكافأة للأطفال.

الخلاصة: يبقى السكر الخفي خطرا صامتا يتسلل إلى النظام الغذائي اليومي دون انتباه، ما يجعل الوعي بمصادره وقراءة المكونات الغذائية خطوة أساسية لحماية صحة الأطفال والكبار على حد سواء، فالتقليل من السكريات المضافة اليوم قد يعني مستقبلا أكثر صحة وخاليا من كثير من الأمراض المزمنة، وسلامة صحتكم.