لا تقف خطورة التنظيمات الإرهابية عند تنفيذ العمليات المسلحة فحسب، وإنما تمتد إلى استخدام التهديد وسيلة لفرض واقع سياسي أو عسكري خارج إطار الشرعية الدولية. وحيث إن إعلان جماعة الحوثي فرض حظر على الملاحة البحرية المتجهة إلى المملكة العربية السعودية تحت شعار «الحصار بالحصار» لا يقتصر على كونه موقفا سياسيا أو إعلاميا، بل يتضمن تهديدا مباشرا باستخدام القوة ضد السفن وحرية الملاحة، فإن هذا الإعلان يكتسب وصفا قانونيا يتجاوز مجرد التصريحات السياسية. ومن ثم فإن الواقعة تستوجب تكييفا قانونيا وفق قواعد القانون الدولي، لا وفق الاعتبارات الإعلامية أو السياسية.

ويبدأ هذا التكييف من الطبيعة القانونية للجماعة ذاتها، إذ إن جماعة الحوثي مصنفة منظمة إرهابية في عدد من الأنظمة الوطنية، ويعكس هذا التصنيف اعتبار أن أنشطتها لا تنحصر في نزاع مسلح داخلي، وإنما تشمل وسائل تقوم على بث الرعب واستهداف المدنيين وتهديد الأمن الإقليمي والملاحة الدولية. وبالتالي فإن إعلان الجماعة عزمها منع السفن من المرور أو استهدافها بالقوة لا يمكن النظر إليه باعتباره ممارسة لحق سيادي، لأن الجماعات المسلحة لا تملك أصلا سلطة فرض قيود على الممرات البحرية الدولية، ولا يجوز لها إنشاء حصار بحري أو إعلان منع الملاحة خارج إطار القانون الدولي.

وحيث إن حرية الملاحة في الممرات الدولية تعد من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي، فإن أي تهديد باستخدام القوة ضد السفن التجارية أو تعطيل حركة النقل البحري يشكل اعتداء على مصلحة قانونية محمية دوليا. ولا يقتصر أثر هذا الاعتداء على الدولة المستهدفة وحدها، بل يمتد إلى أمن التجارة العالمية وسلامة خطوط الإمداد الدولية. ومن ثم فإن الخطر لا يتمثل في وقوع الهجوم فقط، وإنما يبدأ منذ إعلان نية استخدام القوة مقرونا بالقدرة العسكرية على تنفيذها، ولا سيما إذا كانت الجماعة قد سبق لها تنفيذ هجمات مماثلة ضد السفن أو المنشآت البحرية.

وبناء على ذلك، فإن التكييف القانوني لهذه الوقائع يقود إلى أن التهديدات المسلحة للملاحة البحرية لا تعد مجرد أعمال عدائية، وإنما تندرج ضمن الأعمال الإرهابية الموجهة ضد مرفق دولي يتمتع بحماية القانون الدولي. كما أن استمرار هذه التهديدات أو تحولها إلى هجمات فعلية يفتح المجال لتطبيق القواعد المنظمة للدفاع الشرعي المنصوص عليها في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، في حالة وجود هجوم مسلح أو خطر يبرر اتخاذ تدابير دفاعية.

وعليه، فإن استخدام المملكة العربية السعودية القوة العسكرية لتحييد خطر هذه العمليات الإرهابية من قبل جماعة الحوثي التي تستهدف الملاحة يعد حق الدفاع المشروع المستوفي شروطه وفق القانون الدولي، ويمثل وسيلة قانونية لوقف الاعتداء ومنع تكراره وتأمين الملاحة الدولية.

خلاصة الأمر، فإن إعلان جماعة الحوثي حظر الملاحة البحرية وتهديد السفن بالقوة ليس مجرد خطاب سياسي أو إعلامي، بل هو واقعة قانونية تستوجب تكييفا في ضوء قواعد القانون الدولي. فإذا اقترن هذا الإعلان بأعمال مسلحة أو بقدرة فعلية على تنفيذ التهديد، فإن للدول المتضررة أن تستند إلى قواعد الدفاع الشرعي لاتخاذ تدابير الردع اللازمة لحماية أمنها وملاحتها.

expert_55@