ودعنا قبل أيام عرسا رياضيا استثنائيا، وأسدل الستار على بطولة كأس العالم 2026 التي حبست أنفاس الملايين على اختلاف المواجهات، وبين صافرة البداية وصافرة الختام، لم تكن البطولة مجرد مباريات تقام، وفرق تتوج وكأس ترتفع، بل كانت تجربة إنسانية متكاملة نفسيا واجتماعيا ورياضيا، أكدت على أن كرة القدم لغة عالمية تجاوزت الحدود والتوقعات، وأثبتت أنها حالة شعورية ماتعة تعيشها المجتمعات.

من الناحية النفسية، أجد أن المونديال منح الكثيرين فرصة التنفيس المتكرر من ضغوط الحياة اليومية المختلفة، وحضور مشاعر الحماس والترقب والفرح، ليعيش الإنسان حالة من الاتزان الانفعالي الذي يتغير معه إيقاع الحياة الروتينية الرتيبة؛ فكم من أهازيج وصرخات ورقصات توالت جراء إحراز هدف، وكم من دمعة تحمل في طياتها معنى الانتماء والشغف.

واجتماعيا، كان لكأس العالم فرصة تجمع العائلات والصداقات، وتبادل النقاشات والحوارات، التي عززت الروابط الإنسانية وزادت الأواصر البشرية.

من الجانب الرياضي، قدم المونديال دروسا عميقة في اكتشاف الأخطاء المهارية والتكتيكية للمنتخبات التي خرجت مبكرا ولم يحالفها الحظ لتستفيد من الخبرات العالمية المشاركة لإعادة بناء منتخباتها وتجهيزها مستقبلا؛ كذلك شاهدنا عزيمة المنتخبات العربية والأخرى التي شاركت لأول مرة كمنتخبات الأردن وأوزباكستان وكوراساو والرأس الأخضر؛ وكيف لعبت بروح قتالية وجاهزية عالية، شكلت منظومة احترافية فاعلة نجحت في العمل الجماعي، كما في كل نسخة مونديالية تتكشف لنا فرص للاعبين أذكياء يصنعون الإبداع في الأداء.

أيضا من الجماليات التي لفتت انتباهي في هذه البطولة، الأثر الإيجابي المتعدي الذي انعكس واقعيا في تغير نمط الحركة المرورية ساعات الذروة المسائية أوقات المباريات، والتي خلت معها الشوارع من الازدحام المعتاد، وأصبحت حركة التنقل بين الطرقات الرئيسية أكثر سلاسة وانسيابية، مما عمل على تهدئة التشنجات لبعض سائقي المركبات وتسجيل انخفاض في الحوادث المرورية، كذلك كثرة الطلبات عبر التطبيقات للمأكولات والمشروبات وسرعة الاستجابة وسهولة التوصيل.

ولعل أجمل ما في كأس العالم أيضا أنه خلق رابطا مشتركا يجمع بين الناس يسترجعون خلاله شريط الذكريات لأهم المباريات؛ لن ينسوا أجمل المواقف الطريفة في أي موقع اجتمعوا، ومع من شاهدوها، وكيف عاشوا فترات تلك الجلسات التي امتلأت بالضحكات والتعليقات والتحليلات؛ الأمر الذي أعطى البطولة قيمة حقيقية في تكوين تفاصيل ذاكرتنا الشخصية.

وتبقى متعة الساحرة المستديرة كرنفالا عالميا إنسانيا متعدد الثقافات يثبت أن التعارف البشري يذيب الفروقات بين مختلف الجنسيات والأعراق والألوان والديانات.

وتبقى رسالة المونديال تحمل ذلك الجمال إلى أن يحين الموعد القادم لكأس العالم، مؤكدة أن كرة القدم ليست مجرد فوز وخسارة، بل رابط يبني الجسور بين الشعوب والدول، ويصنع الفرق لتجديد الأمل.

Yos123Omar@