العقلانية والمعقولية في اتخاذ القرار العام
عدنان عبدالله الشيحة6 دقائق للقراءةحجم الخط
يقصد بالقرار العام ذلك القرار الجمعي الذي يستهدف تحقيق الصالح العام، وهو يختلف عن القرارات الخاصة المتعلقة بتحقيق الأفراد لمصالحهم الذاتية. وقد سبق أن تناولت مفهوم العمومية في مقال سابق، بما يغني عن التوسع في بيان الفروق بين القرار العام والقرار الخاص. غير أن هذا المفهوم يثير سؤالا أكثر عمقا وأهمية: كيف ينبغي أن تتخذ القرارات العامة؟ وهل يكون معيارها الرئيس هو الكفاءة الاقتصادية، أم الاستجابة للاحتياجات والتفضيلات المجتمعية؟ هذا السؤال ليس جديدا، بل يمثل أحد أهم الموضوعات المركزية التي دارت حولها أدبيات حقل الإدارة العامة منذ نشأته، حيث انقسمت الاتجاهات الفكرية بين من يمنح الأولوية للكفاءة الاقتصادية، ومن يرى أن القرار العام لا يمكن فصله عن السياق السياسي والاجتماعي الذي يصدر فيه.
فعلى جانب الكفاءة الاقتصادية، برز نموذج البيروقراطية بوصفه وسيلة لتحقيق أعلى درجات الكفاءة من خلال الالتزام الحرفي بالإجراءات التنظيمية، والتسلسل الهرمي للسلطة، وتوحيد قواعد العمل. ثم تطور هذا التوجه لاحقا مع ظهور أفكار الإدارة العامة التنفيذية الجديدة، التي نقلت مفهوم الكفاءة من داخل التنظيم إلى تطبيق آليات السوق، فأصبحت المنافسة، والرسوم، والعوائد، ومؤشرات الأداء أدوات رئيسة في إدارة القطاع العام، وفي المقابل، يؤكد الاتجاه السياسي أن الإدارة العامة تعمل في إطار من القيم السياسية أو الاجتماعية، وأن جميع قراراتها تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الصالح العام، ولذلك لا يمكن اختزالها في معايير فنية أو اقتصادية بحتة. ويطرح دوايت والدو، أحد أبرز منظري الإدارة العامة، سؤالا بالغ الدلالة لأولئك الذين يزعمون أن معيار الكفاءة وحده كاف للحكم على القرار الحكومي، حين يتساءل «كفاءة لمن؟» فالمجتمع ليس كتلة متجانسة، وإنما يضم فئات متعددة تختلف في مصالحها وتفضيلاتها وأولوياتها، الأمر الذي يجعل القرار العام أكثر تعقيدا من مجرد تعظيم المنفعة الاقتصادية. ومن هنا ظهرت نماذج أخرى، مثل الإدارة العامة القائمة على القيم العامة، والخدمة العامة الجديدة، والحوكمة العامة، لاستيعاب هذا التنوع في صياغة السياسات العامة وتقديم الخدمات.
ويعود جوهر الاختلاف بين المقاربتين الاقتصادية والسياسية إلى اختلافهما في الإجابة عن سؤالين أساسيين: ماذا ينبغي أن نعمل؟ وكيف نحكم على جودة ما نعمل؟
تنطلق البيروقراطية وآليات السوق من مفهوم العقلانية، أي السعي إلى الوصول إلى القرار الأمثل من خلال اختيار الوسيلة الأكثر كفاءة لتحقيق هدف محدد. وتفترض هذه المقاربة وجود علاقة خطية واضحة بين السبب والنتيجة، وإمكانية حصر البدائل المختلفة وتحليلها ومقارنتها، بحيث أن البديل الأفضل هو الذي يحقق أعلى منفعة بأقل تكلفة. فعندما ترغب جهة حكومية في إنشاء مشروع أو تقديم خدمة، فإنها - وفق هذا المنظور - تقارن بين التكاليف والمنافع الاقتصادية المتوقعة، فإذا أثبتت الدراسة جدوى المشروع اتخذ القرار، وإلا استبعد. غير أن هذا التحليل غالبا ما يغفل المنافع الاجتماعية غير المباشرة أو طويلة الأجل، وهي منافع يصعب قياسها بالأدوات الاقتصادية التقليدية. ولذلك قد يحكم على مشروع عام بأنه غير مجد اقتصاديا إذا تجاوزت تكلفته المنافع المالية المباشرة المتوقعة، رغم احتمال تحقيقه آثارا اجتماعية وتنموية كبيرة.
على الرغم من التماسك النظري للنموذج العقلاني، فإنه تعرض لمراجعات مهمة من قبل هربرت سايمون، فقد أوضح أن متخذ القرار لا يمتلك معلومات كاملة، ولا وقتا غير محدود، ولا قدرة ذهنية تمكنه من تحليل جميع البدائل الممكنة. ومن هنا قدم مفهوم «العقلانية المحدودة»، الذي يرى أن صانع القرار لا يمكنه تحقيق القرار الأمثل، وإنما يبحث عن القرار الكافي أو المرضي في ظل القيود التي تحيط به. وقد شكل هذا الطرح نقطة تحول في فهم السلوك الإداري، إذ نقل النقاش من افتراض الكمال إلى التعامل مع محدودية الواقع. لا يعني ذلك التخلي عن السعي نحو القرار الرشيد، وإنما الإقرار بأن الرشد في الإدارة العامة يظل مقيدا بما يتوافر من معلومات، وبالوقت المتاح، وبمستوى التقنية، وبقدرات متخذ القرار، وبالقيود التنظيمية والسياسية المحيطة به.
أما في الجانب السياسي، أي في إطار القرار الجمعي، فإن صانع القرار ينطلق من مفهوم المعقولية أكثر من العقلانية. فالمعقولية لا تبحث عن القرار المثالي، وإنما عن القرار الممكن والملائم في ظل الظروف الواقعية. وهي تأخذ في الاعتبار اختلاف الأوضاع، وتغير الظروف، وتعدد المصالح، بحيث يكون القرار منسجما مع الواقع، ومتوافقا مع المتغيرات، وقابلا للتكيف مع المستجدات. وينطلق هذا التصور من افتراض أن البيئة التي يعمل فيها صانع القرار العام بيئة متغيرة، لا يمكن إخضاعها لمعيار فني واحد، وأن هناك احتياجات مجتمعية لا يمكن تبريرها وفق الحسابات الاقتصادية المجردة، وإنما تستند إلى الحاجة الفعلية للمجتمع. على سبيل المثال إنشاء مركز صحي في قرية صغيرة أو هجرة نائية، قد لا يكون مشروعا مبررا اقتصاديا إذا ما قورن بعدد المستفيدين المباشرين أو بتكاليف التشغيل، إلا أنه قد يكون ضرورة مجتمعية لضمان العدالة في توزيع الخدمات الأساسية، وتحقيق الحد الأدنى من جودة الحياة للمواطنين، وهو ما يجعل القرار معقولا وإن لم يكن عقلانيا بالمعنى الاقتصادي الضيق.
ويتجلى هذا المنطق بصورة أوضح في أوقات الأزمات والكوارث، كما حدث خلال جائحة كوفيد 19. فمن منظور الفرد قد تبدو إجراءات الإغلاق أو التطعيم الإلزامي مكلفة اقتصاديا أو مقيدة للحرية الشخصية، إلا أنها من منظور جماعي تحقق منفعة عامة تتمثل في الحد من انتشار الوباء وحماية المجتمع بأكمله. غير أن الوصول إلى هذه المنفعة المشتركة يتطلب تدخل السلطة العامة، لأن كثيرا من الأفراد قد يتصرفون وفق مصالحهم الفردية الضيقة، وهو ما يعرف في الاقتصاد السياسي (المالية العامة) بمشكلة «الراكب المجاني»، حيث يسعى الفرد إلى الاستفادة من المنافع العامة دون أن يتحمل نصيبه من تكلفتها. ولهذا اضطرت الحكومات في مختلف دول العالم إلى فرض إجراءات احترازية وإلزامية حماية للمصلحة العامة.
وغالبا ما تتجسد القرارات القائمة على المعقولية في صورة سياسات عامة تتضمن منظومة من القيم والمبادئ، يجري تنفيذها تدريجيا، مع مراجعة نتائجها باستمرار وإعادة تعديلها كلما استدعت الظروف ذلك. فالقيم هنا تمثل الإطار الموجه للقرار. وعلى خلاف النموذج العقلاني، الذي ينطلق من هدف محدد ثم يبحث عن البديل الأمثل لتحقيقه، فإن المعقولية تفترض أن الأهداف والوسائل قد يعاد تشكيلها وتعديلها مع تطور الواقع وتوافر المعلومات. وتبرز أهمية هذا المنظور في السياسات العامة، حيث تتغير الظروف باستمرار، ويصعب في كثير من الأحيان تحقيق توافق مسبق حول الأهداف أو وسائل بلوغها، مما يجعل المراجعة المستمرة والتكيف مع المستجدات جزءا أصيلا من عملية صنع القرار.
وإذا كان سايمون قد بين أن العقلانية محدودة، فإن تشارلز ليندبلوم انتقل بهذه الفكرة إلى مستوى صنع السياسات العامة في نموذجه المعروف بـ«التدرجية» أو «التعاقبية»، إذ يرى أن صانع القرار العام لا يبدأ عادة من نقطة الصفر، ولا يعيد تصميم السياسات بصورة جذرية، وإنما يجري تعديلات تدريجية ومتتابعة، يتابع آثارها أولا بأول، ثم يبني عليها قرارات لاحقة. وتبرز أهمية هذا الأسلوب في القضايا العامة المعقدة التي يصعب التنبؤ بنتائجها أو الاتفاق مسبقا على أهدافها النهائية، ما يجعل التعلم أثناء التنفيذ جزءا أصيلا من عملية صنع القرار.
ويبقى السؤال الأهم: أي المقاربتين أصلح لصنع القرار العام؟
الإجابة ليست في تفضيل إحداهما على الأخرى بصورة مطلقة، وإنما في فهم السياق الذي تعمل فيه كل منهما. ففي المستويات الإدارية الإشرافية والفنية، حيث تتسم الأعمال بالروتينية، وتكون الإجراءات واضحة، والمعايير مستقرة، يكون النموذج العقلاني أكثر ملاءمة، لأنه يحقق الانضباط والكفاءة والاتساق في الأداء. أما في الإدارة العليا، حيث تتعامل القيادة مع قضايا استراتيجية، ومستقبل غير مؤكد، ومصالح متعارضة، وبيئات سريعة التغير، فإن نموذج المعقولية يصبح أكثر قدرة على استيعاب تعقيد الواقع، والتوفيق بين القيم والمصالح المختلفة، والتعامل مع الغموض الملازم للقرار العام.
ومن ثم، فإن الإشكالية لا تكمن في المفاضلة بين العقلانية والمعقولية، وإنما في حسن توظيف كل منهما وفق طبيعة القرار العام ومستواه الإداري. فمن غير الملائم أن تدار القضايا العامة المعقدة والمتشابكة بمنطق العقلانية الصارم الذي يفترض وضوح الأهداف، وثبات البيئة، وإمكان قياس جميع النتائج. وفي المقابل، يمثل هدرا للوقت والموارد إخضاع المسائل الفنية البحتة، على مستوى الإدارة التنفيذية الدنيا، لنقاشات مطولة حول القيم والبدائل، في حين أنها لا تتجاوز كونها قرارات تقنية تحكمها معايير مهنية مستقرة.
