لا تُحفظ الهوية في الذاكرة وحدها، ولا يستمر الموروث بمجرد ترديد حكاياته؛ إذ يظل حيًا حين يجد طريقه إلى التجربة، ويصبح جزءًا من الحياة اليومية للأجيال الجديدة. من هذه الفكرة ينطلق برنامج «أصيل»، الذي يقدمه مركز سرد الثقافي ضمن برامج «بيوندفت» (Beyondfit)، في نسخته الخامسة، بوصفه تجربة ثقافية تضع النشء في مواجهة مباشرة مع تفاصيل الموروث السعودي، لا بوصفه ماضيًا يُستعاد، بل ذاكرةً تُعاش وتُكتشف من جديد.

وتُقام النسخة الخامسة على مرحلتين؛ الأولى من 26 إلى 29 يوليو 2026، والثانية من 2 إلى 5 أغسطس 2026، في مركز سرد الثقافي بجامعة الملك سعود، مستهدفةً الفئة العمرية من 6 إلى 16 عامًا، عبر تجربة تمتد أربعة أيام، تتداخل فيها المعرفة مع الممارسة، واللعب مع الاكتشاف، بما يمنح المشاركين فرصة للتعرف إلى عناصر الهوية السعودية من داخل تفاصيلها اليومية.

ويحمل البرنامج عنوان «من الجنوب.. نحو الأفق»، في دلالة تتجاوز الجغرافيا إلى معنى أوسع؛ فالموروث الذي ينطلق من المكان لا يتوقف عند حدوده، بل يستطيع الوصول إلى الأجيال الجديدة، متى ما أُعيد تقديمه بلغة قريبة من عالمهم، وأدوات تتيح لهم المشاركة لا الاكتفاء بالمشاهدة.

ولهذا، لا يقدم «أصيل» التراث في صورة معلومات جاهزة، بل يحوّل عناصره إلى مواقف وتجارب. يتعرف المشاركون إلى قيم الضيافة، وآداب المجلس، والبروتوكولات الوطنية، والحرف السعودية، والقهوة السعودية وعلم التمور، كما يقتربون من الزي السعودي، والعرضة النجدية، وملامح البيت السعودي، وقيمة الجوار التي تختصرها فكرة «سابع جار».

وتتسع التجربة لاستحضار الأعياد والمناسبات الوطنية، إلى جانب «صقار المستقبل» و«بيت وقصيد»، في مسار يجمع بين التراث المادي والقيم الاجتماعية والذاكرة الشفوية، ويمنح النشء فرصة لاكتشاف الثقافة من خلال الحواس والمشاركة والتفاعل.

وفي جوهره، يقوم البرنامج على رؤية مفادها أن الهوية لا تُلقّن، بل تُبنى بالتجربة. فالطفل الذي يتعلم آداب المجلس، ويمارس تقاليد الضيافة، ويتعرف إلى الحرفة، ويستمع إلى القصيدة، ويكتشف تفاصيل البيت السعودي، لا يتلقى معلومات عن التراث فحسب، بل يقترب من جزء من ذاكرته الجماعية، ويعيد اكتشاف علاقته بالمكان والمجتمع.

ومن هنا، يتجاوز دور مركز سرد الثقافي فكرة تقديم الأنشطة الثقافية إلى صناعة تجارب تعيد وصل الأجيال الجديدة بجذورها. فالموروث في «أصيل» لا يظهر بوصفه مادة جامدة خلف vitrines المتاحف، بل يتحرك في المجلس والورشة والقصيدة والزي والقهوة والحرفة، ليصبح ثقافةً قابلة للممارسة، وذاكرةً قادرة على الاستمرار.

وبين الجنوب الذي يشير إليه عنوان البرنامج، والأفق الذي يتجه إليه، تتشكل فلسفة «أصيل»: أن الانتماء إلى الجذور لا يعني الوقوف عند الماضي، بل امتلاك الثقة للذهاب إلى المستقبل. فكلما عرف النشء أصل الحكاية، أصبح أكثر قدرة على كتابة فصل جديد منها.

ويأتي البرنامج ضمن جهود مركز سرد الثقافي لتعزيز الوعي الثقافي لدى النشء، وتقديم الهوية الوطنية في صورة معاصرة تجمع المعرفة بالمتعة، والتقاليد بالتجربة، والذاكرة بالمستقبل؛ تأكيدًا على أن الثقافة لا تستمر حين تُحفظ فقط، بل حين تجد من يعيشها ويمنحها حياةً جديدة.