حتمية وتعقيدات الجوار السعودي اليمني الملتهب
الثلاثاء - 21 يوليو 2026
Tue - 21 Jul 2026
في الجغرافيا، تبدو الحدود خطوطا صامتة على الخرائط؛ لكن بين المملكة العربية السعودية واليمن تظل الحدود حواف مخاوف، وكهوف غموض.
تاريخ طويل من التداخل العشائري، والتصاق قدري، وجوار لا يترك لصاحبه خيارا سوى أن يتفهمه ويتحمله ويتفاعل معه، مهما بدا عصيا على الفهم، ومؤلم المعالجة.
منذ قيام الدولة السعودية وجدت نفسها أمام جار لا يستقر على حال؛ كيان متذبذب التطلعات، يتجاور فيه الشقاء والعنف وتنافر الهوية والثورات، والعصبية القبلية والمذهبية، ووعورة التضاريس، بمناطق تأبى أن تجتمع يوما على عقل واحد أو ضمير وطني، ولا مصلحة جوار واحدة.
ولذلك وجدت المملكة نفسها تبادر وتحاور، وتمد أيادي الخير، وتقف مع الدولة المركزية لتكون قوية جامعة ذات رؤية للسلام والتنمية. غير أن أطياف اليمن كانت تتقلب بين نزاع على السلطة، وأفكار سياسية منقوصة، ومناهج فكر متضادة، ومفاهيم نهب تتصادم كما تتصادم الأمواج على حد صخور لا تلين.
تباينات لم تكن مجرد اختلافات في طرق الحكم، بل كانت اختلافات جوهرية في فلسفة الوجود السياسي ذاته.
فاليمن، عبر عقوده المتعاقبة، ظل يبحث عن حكومة شاملة تضبط إيقاعه، لكنه لم يجدها وسط عداوات وتدهور في الخدمات وسوء في النوايا.
الشرعية تتعثر، والحوثي يمد يده إلى الخارج، والجنوب يبحث عن الانفصال، والمجلس الانتقالي ينتهج توسيع نفوذه، والقبائل تغير ولاءاتها كما تغير الريح اتجاهها.
وهكذا، تحول اليمن إلى فسيفساء مشوهة، كل قطعة فيها تظن أنها قادرة على التفرد والعداء للجميع، حتى ولو هدمت كل قيم الدولة والعروبة والإسلام.
المملكة عانت طوال الوقت؛ فلم يكن هذا المشهد ترفا سياسيا، ولا مردود سلامة النوايا، بل صداعا مستمرا، وخنجرا في الخاصرة، وهاجسا أمنيا خليجيا وعربيا مقلقا.
فاليمن ليس جارا بعيدا يمكن مراقبته من خلف الأمواج، ولا حدودا يمكن إغلاقها، بل هموم تلتصق بالجسد السعودي، وتسرب له الاضطراب والوجع والحيرة.
لذلك، ظلت المملكة باحتوائها تحاول وتبذل، دبلوماسيا واقتصاديا وتنمويا، لأكثر من ثمانية عقود، متغلبة على معوقات التبدلات والتخبطات، وبما يستحضره كل زمن وتحول.
دعمت كل الحكومات حينما كانت في السلطة، واحتوت القبائل التي كانت ترى أنها مهمشة، وواجهت التدخلات الخارجية حين تحول اليمن إلى ساحة نفوذ فارسية، واختراقات موازية تزيد المشهد العربي تلويثا وتعقيدا.
فوضى يمنية متجددة الصعوبات والتعقيد، تشابه تضاريس البلد وتنافر مكوناته البشرية.
الفقر يذبح، والتعليم يتردى، والعقول تهاجر، والخدمات تسرق، والصحة تتراجع، وأغلب القيادات المتعاقبة والطامحة تظل ترى في ثرى الوطن خزينة للنهب، قبل المغادرة للخارج، لمعاودة كرة أخرى من العداء والتخوين، وعض يد من كان يساعدها.
مشهد سريالي يزداد قتامة بمحاولة بعض القوى المخترقة توسيع نفوذها عبر التعدي على حضرموت والمناطق القريبة منها، في محاولة لفرض واقع التهديد والابتزاز للمملكة، وبيع السيادة لمن يدفع أكثر!
ورغم كل ذلك، تبقى السعودية قوية ثابتة في مواقفها، رغم ما يطالها من أذية؛ لا تريد السيطرة على اليمن، ولا تقسيمه، بل تريده جار رخاء وتقدم وتنمية آمنة مستقرة، لا منصة تهديد وابتزاز، ولا مسرحا مستأجرا لعروض فوضى وخيانات تتجدد كلما ظن الجميع أنها وعت، وتحملت مسؤولياتها الوطنية المرجوة.