الحقوق التي لا يعرفها أصحابها
الأحد - 19 يوليو 2026
Sun - 19 Jul 2026
هناك لحظات في الحياة تعيد ترتيب الأولويات كلها. انتظار مولود جديد واحدة من تلك اللحظات. تنشغل الأم بغرفة صغيرة، وملابس تكبر بسرعة، ومواعيد طبية متقاربة، وقائمة طويلة من التفاصيل التي تبدو بسيطة، لكنها تشغل القلب والعقل معا. وبين كل تلك الاستعدادات، يغيب سؤال مهم: ماذا عن حقوقها؟
قد يبدو السؤال إداريا في ظاهره، لكنه في الحقيقة سؤال عن الطمأنينة. فحين تعرف المرأة العاملة ما لها من حقوق قبل الولادة، يصبح التخطيط أكثر هدوءا، وتتراجع مساحة القلق، ويصبح الانتقال إلى مرحلة الأمومة أكثر استقرارا. أما حين تبقى المعلومة غائبة حتى آخر لحظة، فإن كثيرا من القرارات تبنى على التخمين، لا على المعرفة.
هذه الفجوة بين وجود الحق ومعرفة صاحبه ليست حالة فردية، إنما ظاهرة تتكرر في مجالات عديدة. فكثير من الموظفين يكتشفون حقا نظاميا بعد انتهاء المناسبة التي شرع من أجلها، أو يسمعون عنه من زميل مر بالتجربة، أو يصادفونه أثناء تصفح منصة الكترونية. عندها تتحول المعلومة إلى حسرة أكثر منها منفعة، لأن قيمتها الحقيقية كانت في توقيتها.
لهذا السبب، لم يعد نجاح الأنظمة مرتبطا بجودة التشريع وحدها، وإنما بقدرة المؤسسات على إيصالها إلى الناس بطريقة واضحة وقريبة من حياتهم. فالقوانين تحمي الحقوق، أما التوعية فتحمي فرصة الاستفادة منها.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة حملة المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية للتعريف بمنفعة تعويض الأمومة. فالحملة لم تكتف بالإعلان عن منفعة مالية، وإنما ركزت على بناء معرفة تساعد المرأة على الاستعداد لهذه المرحلة بثقة أكبر. كما حرصت على الوصول إلى المستفيدات عبر المستشفيات، والمنصات الإعلامية، والشراكات المجتمعية، والدليل الرقمي، وورش العمل، في خطوة تعكس أن الاتصال الفعال أصبح جزءا من نجاح المبادرة نفسها، لا مجرد وسيلة للتعريف بها.
وقيمة هذه المنفعة لا تقف عند حدود التعويض المالي، بل تمتد إلى الرسالة التي تحملها. فالأمومة ليست ظرفا شخصيا يخص المرأة وحدها، وإنما مرحلة تستحق أن تحاط بمنظومة من الدعم توازن بين الأسرة والعمل. عندما تشعر الموظفة أن النظام يساندها في واحدة من أهم محطات حياتها، ينعكس ذلك على استقرارها النفسي، وعلى قدرتها على العودة إلى عملها بثقة، وعلى شعورها بأنها شريك في التنمية، لا طرف يضطر إلى الاختيار بين مستقبله المهني وأسرته.
وفي المقابل، تمنح هذه المنظومة أصحاب العمل وضوحا في الإجراءات، وتخفف عنهم جزءا من الأعباء المالية المرتبطة بإجازة الأمومة، وهو ما يعزز استقرار بيئة العمل ويجعل العلاقة بين الموظفة والمنشأة قائمة على التوازن، لا على التعارض. وهنا تتجلى قيمة الأنظمة التي تنظر إلى المصلحة العامة بوصفها نقطة التقاء بين جميع الأطراف، لا مكسبا لطرف على حساب آخر.
اللافت أيضا أن الحملة لم تعتمد على نشر المعلومات فحسب، إنما سعت لتحويلها إلى ثقافة. فالدليل الرقمي، والإجابة عن الأسئلة الشائعة، وورش التوعية، والشراكات مع جهات مختلفة، تعكس فهما متقدما لطبيعة الاتصال الحكومي. فالمعلومة لا تحقق أثرها بمجرد نشرها، وإنما عندما تصل إلى الشخص المناسب، في اللحظة المناسبة، وبالأسلوب الذي يجيب عن أسئلته ويمنحه الثقة في اتخاذ قراره.
وربما تكشف هذه المبادرة عن معنى أوسع من منفعة الأمومة نفسها؛ فالمجتمعات لا تقاس فقط بما تمنحه من حقوق، وإنما بقدرتها على تعريف الناس بها. فالحق الذي يبقى حبيس اللوائح لا يغير حياة أحد، أما الحق الذي يصل إلى صاحبه في الوقت المناسب، فإنه يتحول إلى شعور بالأمان، وإلى ثقة بالمؤسسات، وإلى شراكة حقيقية في بناء المجتمع.
في النهاية، قد يكون أجمل ما تقدمه الأنظمة فيما تزرعه في نفوس الناس من يقين بأن هناك من يفكر في احتياجاتهم قبل أن يطالبوا بها.
ولهذا، يبقى السؤال الأهم: كم حقا نملكه... وكم حقا نعرفه في الوقت الذي نحتاج إليه؟