تركي القبلان

الكتلة الحرجة في القرار الإيراني: تشظ أم انقسام وتخادُم؟ قراءة مقارنة بين ذروة الشرعية التأسيسية (1982) وتآكل الشرعية القيادية (2026)

الأحد - 19 يوليو 2026

Sun - 19 Jul 2026



ككل نظام سياسي مركب يحمل في بنيته صدعا كامنا بين مراكز قوى متعددة تتقاسم غاية واحدة - بقاء النظام - لكنها تختلف على السبيل نحو تحقيقها. هذا الصدع ليس عطبا طارئا في الحالة الإيرانية لكنه بنية تأسيسية ملازمة للجمهورية الإسلامية منذ نشأتها: ثنائية «الجمهورية والإسلامية»، ثنائية «الفقيه والمؤسسات الانتخابية»، ثنائية «الحرس والجيش النظامي». إذًا السؤال التحليلي الملح ليس: هل يوجد انقسام؟ فالانقسام حاضر دوما. السؤال الحقيقي هو: متى يتحول الانقسام المدار القابل للاحتواء ضمن مرجعية شرعية جامعة إلى تشظ فعلي تنعدم فيه آلية الحسم النهائي؟ هذا هو المتغير الذي نطلق عليه هنا (الكتلة الحرجة) تتجاوز نقطة تراكم الخلافات نحو نقطة انهيار وظيفة الحكم، الذي كان يمتصها. ويعاد توظيف مفهوم الكتلة الحرجة هنا بوصفه مفهوما تحليليا لا بالمعنى الفيزيائي أو الاجتماعي التقليدي إنما باعتباره العتبة التي يفقد عندها النظام السياسي القدرة على تحويل تعدد مراكز القوة إلى قرار ملزم عبر مرجعية واحدة.

التمييز الإجرائي بين الحالتين حاسم منهجيا؛ فالانقسام المدار هو الإطار العام الذي يشمل أي تعدد لمراكز القوى المتنافسة، والتخادم البنيوي هو أحد أنماطه تحديدا، إذ يشكل حالة تتنافس فيها المؤسسات على النفوذ والموارد لكنها تؤدي في الوقت نفسه وظائف متكاملة تصب في بقاء النظام ككل، لا مجرد امتثال سلبي لحكم أعلى. بينما تضطلع المرجعية العليا حين تكون فعالة بمنع هذا التنافس الوظيفي من التحول إلى صراع على أصل النظام أو شرعية القرار ذاته. وبالتالي التشظي الوظيفي حالة تنعدم فيها هذه المرجعية الفاعلة فيتحول التنافس إلى صراع علني تستدعى فيه الشرعية ذاتها كسلاح بيد كل فريق ضد الآخر دون وجود طرف قادر على حسم النزاع نهائيا. الفارق ليس في حدة الخلاف بل في وجود أو غياب آلية الاحتواء.

سنة 1982 تقدم المختبر التاريخي الأدق لفحص هذا الفارق شريطة تصحيح الرواية الشائعة عنها. التفسير المبسط يقول إن أيديولوجيي الحرس الثوري أقنعوا الخميني بمواصلة الحرب بعد تحرير «خرمشهر»، رغم استعداد صدام حسين لوقف القتال. هذه الرواية في أدق صورها الموثقة تنتمي إلى شهادة شفهية غير مباشرة نقلها الكاتب محمد صحيمي عن حاضر مجهول الهوية في اجتماع لم يوثق رسميا. لكن المصدر الأكاديمي الأكثر صرامة: دراسة بيير رازو المعتمدة على الأرشيف العسكري وتسجيلات صدام حسين المصادرة، تقدم صورة أدق وأكثر دلالة: حين عرض صدام حسين وقف إطلاق النار في 20 يونيو 1982 انقسمت القيادة الإيرانية العليا فعليا، هذا الانقسام ليس بين الحرس والمرجعية لكنه داخل القمة (المدنية-الدينية) ذاتها. رئيس الوزراء مير حسين موسوي والرئيس علي خامنئي (نعم، خامنئي الأب نفسه) مالا لقبول الهدنة بعد استرداد معظم الأراضي المحتلة، الخميني رفض مصرا على إسقاط النظام العراقي وتحصيل تعويضات، ومن الطرف الثالث، دفع أكبر هاشمي رفسنجاني أحد أبرز منسقي القرار الحربي وصاحب نفوذ متصاعد في إدارة المجهود العسكري والسياسي باتجاه مواصلة الحرب لاعتبارات استراتيجية - شخصية طويلة المدى - حتى مع إدراكه المتنامي أن إيران غير قادرة على تحمل أعبائها، أما خامنئي فقد ظل بحسب رازو متأرجحا بين التأييد والمعارضة لاستمرار الحرب مع حرصه في كل الأحوال على ألا يناقض المرشد الأعلى.

وهنا أود الإيضاح أن هذه المقارنة لا تدعي تماثل البيئتين الاستراتيجيتين: فإيران 1982 كانت في خضم حرب وجودية مفتوحة مع جار مسلح احتل أرضها فعليا، بينما إيران 2026 تواجه نمطا مختلفا كليا من الضغط: عقوبات، ضربات محدودة، تهديد ردعي (أمريكي-إسرائيلي) دون احتلال بري مباشر. هذا الفارق حقيقي ولا يختزل لكن المقارنة هنا لا تجرى على مستوى البيئة الخارجية بل على مستوى وظيفة الشرعية الداخلية بوصفها المتغير المستقل قيد الاختبار، مع إبقاء اختلاف البيئة الخارجية متغيرا ضابطا لا يغير محل الاختبار: في الحالتين صانع القرار الأعلى يواجه ضغطا خارجيا يفرض عليه حسم خلاف داخلي حول سبيل المواجهة أو التهدئة، وما يقاس هو قدرة النظام على إنتاج ذلك الحسم عبر مرجعية واحدة، لا حجم الضغط الخارجي نفسه أو طبيعته العسكرية مقابل (الاقتصادية-الردعية).

إذًا الدرس المستخلص من 1982 ليس أن الحرس الثوري كتلة عقائدية موحدة تصادم الواقعية، بل أن الانقسام في قمة الهرم أمر بنيوي متكرر حتى تحت أعلى مستوى شرعية يمكن تخيله في تاريخ الجمهورية: شرعية تأسيسية، كاريزمية، فقهية غير منازعة، وهو بالضبط المزيج الذي وصفه ماكس فيبر بـ«السلطة الكاريزمية» في تصنيفه الثلاثي لأنماط السلطة المشروعة، حيث يستمد الحاكم طاعة أتباعه لا من التقليد أو القانون بل من صفات استثنائية ينسب إليها أصل خارق أو بطولي أو نموذجي. وهي الحالة التي جسدها الخميني بوصفه مؤسس الثورة ومرجعها الفقهي والكاريزمي في آن، غير أن كاريزما الخميني لم تعمل في فراغ، حيث جرى تحويلها سريعا إلى بنية دستورية وأمنية ومؤسسية: أي إلى ما يسميه فيبر نفسه «روتنة الكاريزما» أي تحويل الصفة الشخصية الاستثنائية إلى قواعد وأجهزة تعيد إنتاجها بعد صاحبها. لذلك لم تكن قوة الحسم في شخص الخميني وحده إنما في تداخل صفته التأسيسية مع مؤسسات صممت أصلا لتجسيد إرادته: مزيج فريد يفسر لماذا احتمل النظام انقسام 1982 دون أن ينفجر، وبتطبيق ذلك هنا: إذا انقسمت القمة تحت هذا السقف من الشرعية المطلقة فإن استمرار الانقسام أو تفاقمه تحت شرعية أضعف بكثير ليس افتراضا متطرفا بل توقع متحفظ وأقول إنه الأرجح منطقيا. ويصح هذا الاستدلال في إثبات رجحان استمرار الانقسام، لا في إثبات تحوله الحتمي إلى تشظ؛ إذ قد تعوض المؤسسات الأمنية وشبكات المصالح الأكثر رسوخا اليوم ضعف الشرعية الفردية، ولو بكلفة أعلى وبفاعلية أقل مما كان متاحا للخميني. والأهم أن ذلك الانقسام رغم حدته ظل في جوهره محكوما بقنوات النخبة والمؤسسات العليا، ولم يتحول إلى تنازع علني مستدام على شرعية القيادة أو أصل سلطة الخميني، إلى أن حسم المرشد اتجاه القرار بنفسه في 1988 بعد تقييم عسكري صادم قدمه قائد الحرس آنذاك محسن رضائي حول استحالة الحسم العسكري خلال خمس سنوات، وهو التقييم الذي دفع الخميني بحسب روايات لاحقة من داخل القيادة من بينها رواية رفسنجاني نحو قبول القرار 598 رغم مرارته التي وصفها بـ«كأس السم». ونخلص: إلى أن التخادم لم يكن غياب الخلاف بل قدرة نظام الحسم على احتوائه وإنهائه دون أن ينفجر إلى صراع علني أو مسلح.

المقارنة مع 2026 تكشف أن بنية الانقسام لم تتغير لكن آلية احتوائه التقليدية تعرضت لتآكل حاد ولم يعد ثمة ما يثبت حتى الآن أنها ما زالت قادرة على إنتاج حسم نهائي بالفاعلية السابقة. فالفصائل المتصارعة اليوم - المعسكر البراغماتي ممثلا بالرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عراقچي ورئيس البرلمان قاليباف، والمعسكر الراديكالي ممثلا بجبهة «پایداری» وحلفائها في قيادة الحرس الثوري -، تستحضر تماما كما فعل الفرقاء عام 1982 مع اسم الخميني، اسم المرشد ذاته لتبرير مواقف متعارضة. الفارق الحاسم أن مجتبى خامنئي الذي خلف أباه علي خامنئي بعد مقتله في الضربات (الأمريكية-الإسرائيلية) في 28 فبراير 2026 وتعيينه مرشدا خلال أسبوع واحد فقط، لا تظهر حتى الآن مؤشرات كافية على امتلاكه مزيج الشرعية الدينية والسياسية والأمنية الذي جمعه أبوه: فهو ليس معروفا بصفته مجتهدا أو صاحب سلطة فقهية راسخة معترف بها على نطاق واسع، ولم تختبر بعد قدرته على حشد شرعية شعبية موازية، وقد أصيب بجروح ووصفه مسؤولون أمريكيون بأنه ربما «شوه» في الضربة ذاتها التي قتلت والده، ولم يظهر علنا منذ توليه المنصب إذ تغيب حتى عن مراسم تشييع أبيه في يوليو 2026 وعن جنازة زوجته قبلها. وحين تغيب قدرة الحكم على الحسم يتحول التنافس من صراع محتوى إلى تراشق علني بمفردات لم تكن تستخدم سابقا إلا داخل اجتماعات الأمن: اتهامات مباشرة بالانقلاب عبر التفاوض والخيانة، وجهها نواب متشددون في البرلمان علنا لا في الغرف المغلقة، لرئيس البرلمان ورئيس الجمهورية، إثر توقيع مذكرة التفاهم مع واشنطن في 17 يونيو 2026.

وبناء على هذه المقارنة بين 1982 و2026 معا تصبح الكتلة الحرجة قابلة للقياس والاختبار لا وصفا نظريا مجردا فحسب، فهي اللحظة التي ينتقل فيها النظام من حالة انقسام تحكمه مرجعية عليا فعالة إلى حالة تشظ تتنازع فيه أطراف متعددة على احتكار المرجعية ذاتها دون أن يحسمها أحد، والمؤشر القابل للرصد والتفنيد هنا ليس حجم الخلاف الاقتصادي أو العسكري بل مسار ملف الخلافة الفعلي: هل يستقر مرجع حسم واحد يعيد إنتاج وظيفة الخميني ثم علي خامنئي من بعده خلال الأشهر المقبلة، أم يبقى الفراغ مفتوحا حتى يتجاوز التآكل الوظيفي الحالي عتبة اللاعودة نحو التشظي الكامل؟ التاريخ لا يرجح الانهيار الفوري - فالنظام الإيراني أثبت مرارا قدرة على احتواء انقساماته الداخلية حتى في أحلك الظروف - لكنه يرجح هذه المرة أن الاحتواء إن حدث سيكون بآلية جديدة كليا إذ لم يعد ثمة خميني آخر في الأفق القريب. وهنا لا نعني بذلك نهاية المرجعية الدينية كمؤسسة دستورية-عقائدية فتلك قد تستمر شكليا لعقود ولو تحولت لواجهة فارغة، بل تحديدا نهاية نمط الفرد الواحد القادر على الجمع بين الشرعية الدينية والحسم السياسي والولاء الأمني في آن معا - وهو المزيج الذي جمعه الخميني ثم بدرجة أقل علي خامنئي؛ وحتى الآن لا تظهر مؤشرات كافية على امتلاك مجتبى لهذا المزيج، ولا تبرز شخصية أخرى استطاعت أن تجمع هذه العناصر في الوقت الراهن، وهو حكم مبني على حالة الأدلة المتاحة اليوم قابل للتحديث إن تغير الواقع.

ثلاثة سيناريوهات بديلة تتنافس اليوم لملء هذا الفراغ الوظيفي بدرجات ترجيح متفاوتة لا حسما قاطعا. السيناريو الأول، هو الحسم بالتفويض المؤسسي لا الفردي: تحول وظيفة الحسم من شخص المرشد إلى هيئة جماعية وأقرب منصة مؤسسية مرشحة لممارسة جانب من هذه الوظيفة هي بنية الأمن القومي والقيادة الدفاعية العليا، وفي مركزها المجلس الأعلى للأمن القومي لا بوصفه بديلا دستوريا للمرشد - فهو لا يحل محله رسميا بأي حال - بل بوصفه إطارا محتملا لإنتاج القرار الجماعي وتنسيقه بين مراكز القوى، والذي أعاد علي خامنئي توزيع مقاعده بعد الضربات الإسرائيلية بما يرجح كفة الجيش النظامي (آرتش) على الحرس التقليدي. بحيث يستبدل الفقيه الفرد بتوازن مؤسسي هش بين الأجهزة لا بفرد جديد يملك سلطتها مجتمعة.

السيناريو الثاني، وهو الأكثر جذرية يفترض فشل المسار المؤسسي الجماعي وانتقال الحسم لصالح الحرس الثوري وحده كضامن أخير، بحيث يتحول المرشد لواجهة رمزية فارغة فعليا وتصبح السلطة عسكرية-اقتصادية صرفة، على نحو يقترب وظيفيا - لا بنيويا - من أنماط الوصاية العسكرية المعروفة في حالات مقارنة إقليمية ودولية متعددة، حيث تتحول المؤسسة العسكرية لضامن فعلي للدولة خلف واجهة مدنية أو دينية شكلية، مع احتفاظ الحالة الإيرانية بخصوصيتها العقائدية والمؤسسية (الاقتصاد الموازي للحرس، شبكة الباسيج، المؤسسات الوقفية، والشرعية الدينية الدستورية). إذ قد يعطي الحرس الأولوية للبقاء المؤسسي على الولاء الأيديولوجي، وهو ما يفتح في الحد الأدنى مسارين رئيسيين لا ثنائية مغلقة: نظاما عسكريا-عقائديا تتراجع فيه القيادة الفقهية إلى مرتبة رمزية، أو تصاعدا في التنافس المؤسسي قد ينتهي إلى تشظ داخلي يفضي لانهيار النظام؛ مع بقاء صيغ هجينة بينهما ممكنة - كحكم عسكري - ديني مركب أو مرشد ضعيف تحت وصاية أمنية أو مجلس قيادة غير معلن. وفي جميع هذه الاحتمالات يتراجع الوزن العملي للمؤسسة الدينية لمصلحة المؤسسة العسكرية، إذ يصبح الطابع الإسلامي أقرب إلى مصدر شرعية رمزية منه إلى مركز إنتاج القرار السياسي الفعلي لا نهاية للهوية العقائدية للنظام، إذ يبقى الحرس نفسه مؤسسة عقائدية النشأة مع انتقال لمركز ثقل صنع القرار داخلها من الفقيه الفرد إلى القيادة العسكرية الجماعية.

السيناريو الثالث، والأقرب لواقع اللحظة الراهنة ليس حسما بأي صورة بل تجنب مؤقت له عبر تقسيم وظيفي للعمل بين الحرس (القمع الأمني-العقائدي) والجيش النظامي (الضبط التقليدي)، ينتج تقسيما مؤقتا يعالج كل جهاز الأزمة وفق أولوياته الخاصة، لكنه يعقد صنع القرار الموحد ويحمل خطر تعميق الشروخ النخبوية بدل رأبها. وهو بذلك ليس آلية حسم بل هدنة وظيفية مؤقتة لا تخادما مستقرا.

الخلاصة المرجحة هنا: ليست عودة نموذج الفرد الحاسم بل استقرار - إن استقر شيء أصلا - على شكل من «التخادم القسري بلا حكم»: حالة تتجنب فيها الأطراف الصدام المفتوح لا لوجود مرجعية عليا تردعها بل لأن كل طرف يدرك أن الصدام المسلح يهدد وجود الجميع معا، بمن فيهم الحرس والجيش والنخبة الاقتصادية متشابكة المصالح. هذا النمط أكثر هشاشة من التخادم القديم الذي وثقناه في 1982-1988، لأنه يقوم على توازن رعب داخلي متغير لا على شرعية ثابتة يحتكم إليها الجميع، وبالتالي فهو أكثر عرضة للانكسار المفاجئ عند أي صدمة خارجية إضافية - ضربة عسكرية جديدة، أو موجة احتجاج كبرى - لا يملك النظام حيالها السرعة والحزم اللذين تطلبهما الخميني نفسه في لحظة الحسم عام 1988.

ويمكن اختبار هذه الفرضية خلال الأشهر المقبلة عبر ثلاثة مؤشرات قابلة للرصد لا عبر انتظار انهيار كامل أو استقرار كامل: أولا، آلية تثبيت الخلافة وظيفيا لا مجرد حسمها دستوريا، فالخلافة الدستورية حسمت فعلا بتعيين مجتبى خامنئي مرشدا، لكن السؤال المفتوح هو هل ينجح في تحويل هذا التعيين الرسمي إلى قدرة فعلية على إلزام المؤسسات، أم تنتقل وظيفة الحسم الفعلي إلى مجلس أو جهاز جماعي يحتفظ هو بواجهته الرمزية فقط؟ ثانيا، طبيعة العلاقة العملياتية بين الحرس الثوري والجيش النظامي عبر قياس اتجاه سلسلة القيادة الفعلية: من يملك سلطة التعيين والعزل ومن يسيطر على الاستخبارات والموازنة والتخطيط العملياتي المشترك؟ فهذه المؤشرات تكشف ما إذا كان أي تقارب بين الجهازين اندماجا حقيقيا لصالح طرف بعينه أم مجرد واجهة لإدارة ازدواجية مستمرة، إذ إن الازدواجية المستمرة مؤشر على تخادم قسري متجمد بينما اندماج سلسلة القيادة الفعلية مؤشر على حسم فعلي لصالح أحد الطرفين. ثالثا، استمرار أو توقف انتقال الخلافات من المؤسسات المغلقة إلى المجال العام، فتكرار الاتهامات العلنية المتبادلة بالخيانة أو الانقلاب على المنابر البرلمانية والإعلامية بدل احتوائها في قنوات النخبة كما جرى في جوهر أزمة 1982-1988، هو المؤشر الأوضح على تراجع قدرة النظام على احتواء تناقضاته داخليا، وبالتالي الأقرب لرصد اللحظة الفعلية لعبور الكتلة الحرجة من الانقسام المدار إلى التشظي غير القابل للاحتواء.