رحلة.. وكفاح
عبدالله فدعق3 دقائق للقراءةحجم الخط
رحل الخميس قبل الماضي العم محمد صالح بن حمزة بن صالح صيرفي - رحمه الله - عن ثمانية وتسعين عاما، بعد رحلة طويلة في عالم الصرافة والأعمال، والمجال الخيري؛ غير أن بعض الناس لا تنتهي رحلتهم برحيلهم، لأنهم يتركون من الأثر ما يجعل سيرتهم تستمر في تعليم الناس حتى بعد غيابهم.
اعتدنا أن نقيس نجاح رجال وسيدات الأعمال بحجم الثروات، وعدد الشركات، واتساع الاستثمارات، بينما يغيب عنا أن هذه كلها نتائج، أما ما صنعوه حقا فهو الصدق والانضباط والصبر وحسن التعامل مع الناس، وغيرها من محاسن تؤكد أن المال قد يجمع في سنوات، أما السمعة فلا تبنى إلا عبر عمر كامل.
جيل الرواد الذي ينتمي إليه عم صالح لم يكن يملك ما نملكه اليوم من كليات إدارة الأعمال، ولا البرامج التنفيذية، ولا الحاضنات، ولا مسرعات الأعمال، ولا وسائل الاتصال الحديثة؛ كانت أدواتهم أبسط بكثير، لكن عزائمهم أكبر، وصبرهم أطول، وثقتهم في ربهم بأن النجاح يحتاج إلى زمن أعمق؛ ولذلك استطاعوا أن يؤسسوا أعمالا بقيت، وأن يبنوا أسماء أصبحت في حد ذاتها رأس مال.
العم محمد صالح بدأ حياته العملية مبكرا في مهنة الصرافة التي عرفت بها أسرته في مكة المكرمة، ثم عاش التحولات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها المملكة، ورأى العملات تتغير، والأنظمة المالية تتطور، وأساليب التجارة تتبدل، لكنه أدرك أن هناك شيئا واحدا لم يتغير ولن يتغير، وهو أن الثقة هي العملة الأغلى؛ فكم من مال جمعه صاحبه ثم فقده، وكم من تجارة تعثرت ثم عادت، أما الثقة فإذا استقرت في قلوب الناس أصبحت رأس مال لا تهزه تقلبات الأسواق؛ ومن يقرأ شيئا من سيرة الفقيد رحمه الله، التي ضمها كتاب «رحلة الكفاح في الصرافة والأعمال»، والذي سعدت بأن أهداني إياه شخصيا، مذيلا بتوقيعه وخطه الجميل، يدرك أنه لم يعش حياة خالية من التحديات؛ فقد عرف الربح والخسارة، وواجه ظروفا سياسية واقتصادية أثرت في بعض استثماراته، لكنه لم يجعل العثرة نهاية الطريق، بل حولها إلى خبرة، وجعل منها دافعا لمواصلة العمل، وهذه من أجمل الرسائل التي يتركها الرواد للأجيال اللاحقة؛ فالحياة لا تكافئ من لم يتعثر، وإنما تكافئ من يحسن النهوض بعد التعثر.
من أجمل ما يستفاد من مسيرة عم صالح أن النجاح لا يورث كما تورث الأموال، وإنما تورث أسبابه؛ فالابن قد يرث مال أبيه، لكنه لا يحافظ عليه إلا إذا ورث معه الانضباط والأمانة واحترام الناس والوفاء بالوعد، والإيمان بأن العمل الجاد لا بديل عنه؛ ولا شك أن مجتمعاتنا بحاجة إلى أن توثق سير روادها كما توثق مؤسساتها، لأن الأمم لا تبنى بالأنظمة وحدها، بل أيضا بالنماذج الملهمة، وحين يقرأ الشباب رحلة شخصية بدأت من البدايات البسيطة، وواجهت الخسارة قبل النجاح، واستمرت حتى أصبحت أحد أعلام قطاعها، فإنهم يدركون أن الطريق إلى النجاح لا تختصره الأمنيات، وإنما تصنعه الأخلاق والصبر والعمل.
رحم الله العم محمد صالح صيرفي رحمة واسعة، الذي عرفه كثيرون رمزا للتجارة، وعرفه آخرون باذلا للخير، وجزاه عن وطنه ومجتمعه خير الجزاء، وأسأل الله أن يبارك في شريكة حياته المصون زهرة قطان، وفي ابنيه الفاضلين حمزة وأنس، وبنتيه الفاضلتين أميمة وهنيدة، وأن يجعل ما تركه من ذكر حسن وسيرة طيبة وعمل نافع، خير إرث يبقى لهم ولأولادهم؛ كما بقي أثره في ذاكرة من عرفوه وتعاملوا معه عن قرب أو بعد.
