من أقنعنا بهذا؟
هند علي الغامدي5 دقائق للقراءةحجم الخط
كنت أشاهد أحد البرامج الحوارية على اليوتيوب، وكان عبارة عن حوارات مع مشاهير ومؤثرين، ولاحظت وجود ترجمة على الرغم من أن البرنامج كان باللغة العربية، لم أنتبه في البداية إلى أن الكلام المكتوب في الترجمة كان أيضا باللغة العربية، وعندما انتبهت ذهبت فورا إلى الإعدادات لإلغاء الترجمة؛ ظنا مني أنه خطأ فني، ولكنني مع الأسف لم أتمكن من إلغائها، لم أهتم كثيرا بذلك وشاهدت الحلقة دون أن أقرأ الترجمة، ثم في مشاهدة لاحقة لحلقة أخرى وقعت عيناي على الترجمة مرة أخرى، ولكن في هذه المرة كان النظر أكثر وعيا؛ إذ اكتشفت أن الترجمة باللغة العربية الفصحى، وهي ترجمة للكلام العربي العامي الذي يدور بين الضيف والمضيف إلى كلام مكتوب باللغة العربية الفصحى، وغني عن الذكر أن كثيرا من الكلمات العربية العامية التي دارت بين الضيف والمضيف هي نفسها المكتوبة في الترجمة تقريبا؛ لأن العامية - كما لا يخفى على عربي - جزء من الفصحى، ومستوى من مستويات اللغة العربية له وظائف محددة، لم أنتبه في البداية لأن العقل الباطن أو اللاواعي لدي تعود على أن تترجم اللغات الأخرى إلى العربية أو العكس، ولم يتعود على ترجمة اللهجة العربية إلى العربية الفصحى.
ومع أن كتابة الكلام بالفصحى أمر جيد للجميع، ولا سيما الناطقين بغير العربية ممن يتعلمونها حديثا بالمستوى الفصيح، إلا أنه يشير إلى فكرة حاول ترويجها بعض الباحثين الغربيين ومن تابعهم من الباحثين العرب، وهي أن اللغة العربية الفصحى لغة مختلفة تماما عن العامية، والذي يتعلم العربية عليه أن يختار اللغة التي يريد أن يتعلمها؛ المصرية أو السعودية أو اليمنية أو الجزائرية أو غيرها، أو حتى اللهجات داخل الدولة الواحدة؛ الحجازية، أو النجدية، أو الجنوبية...، فكل هذه لغات مختلفة بعضها عن بعض، ومختلفة عن اللغة العربية الفصحى، ويجب عند تدريسها - حسب رؤيتهم - أن يدرس الطالب على هذا الأساس، ويدرس الناطق بغير العربية لهجة المنطقة التي يكون فيها ويريد أن يتقنها لأنه سيعمل فيها، أو سيعيش فيها لفترة من الزمن؛ حديثا واستماعا؛ والكارثة أن يمتد الأمر ليشمل القراءة والكتابة، ولا سيما في وسائل التواصل التي باتت وسيلة للكلام مكتوبا؛ على اعتبار أنها لغة مستقلة، ويفوته هنا أن يتعلم المستوى الفصيح من العربية، ونتيجة لذلك يفوته أهم ما يمكن أن يجنيه المرء من تعلم هذا المستوى العالي، وهو قراءة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتعلم مبادئ الدين الإسلامي من خلالها؛ هذا إذا كان مسلما، فإن لم يكن مسلما فقد ضيعنا عليه فرصة التعرف إلى عظمة الإسلام وإعجاز القرآن وبيان السنة النبوية الشريفة، كما ضيعنا على كليهما فرصة التعرف إلى التراث العربي الزاخر، ومن ثم التعريف به.
لا أقول إنها نظرية المؤامرة، ولا أعترض على ترجمة الكلام العربي الذي أغلبه موجود في الترجمة المكتوبة إلى الفصحى، لكنني أعترض على متابعة غير العرب فيما يذهبون إليه حول لغتنا العربية التي لا يفهمونها كما نفهمها نحن؛ فهي بالنسبة إليهم لغات متعددة، بينما نحن نتحدث العامية في المنزل، ثم نذهب إلى المدرسة ونتعلم الفصحى ونتحدثها بشكل تلقائي وغير معقد ولا نشعر للحظة أننا نتحدث لغتين حتى حين نتحدث اللهجات؛ لهجات المدن الأخرى، والقرى، والدول العربية الأخرى؛ نفهمها بشكل عام حتى وإن بقيت بعض الكلمات غير مفهومة، فهذا لا يعني أنها لغة مختلفة أو لغة أخرى، وإنما هي مستوى من مستويات اللغة العربية يخص منطقة من المناطق العربية، تأثرت بمجموعة من العوامل التي أثرت فيها صوتيا وصرفيا ونحويا وتركيبيا ومعجميا وأسلوبيا؛ فظهرت في هذا الشكل الجديد المنحرف قليلا عن الأصل.
وهذا الأمر ليس جديدا؛ فالعرب قديما كانت لديهم لهجات عربية متعددة، وبعضها صنف على أنه مستوى رفيع من اللغات، مثل لهجة قريش التي اعتمدت في التحكيم وقراءة القرآن، وعدد من اللهجات العربية التي اعتمدت في تقعيد اللغة العربية ووضع قواعدها، واستبعدت لهجات عربية أخرى نتيجة وجود بعض الصفات التي عدها اللغويون عيوبا، أو نتيجة اختلاط أهلها بأهل الأمصار والمدن الأخرى وتأثير ذلك على فصاحتها، وعلى الرغم من ذلك فإنها لم تخرج من كونها عربية، وإنما جل ما كان من أمر اللغويين أن استبعدوها من الاستشهاد ومن التقعيد للعربية، وحكموا عليها ببعض الأحكام، ووصفوها بأنها شاذة مخالفة للقواعد أو غريبة أو رديئة، وما إلى ذلك مما لا يمكن معه بناء قواعد مطردة للعربية، وهو الأمر الذي أخذه عليهم علم اللسانيات؛ على اعتبار أن كلا منها لغة مثل كل اللغات، ولا أفضلية للغة على أخرى إلى الدرجة التي يقرر فيها (هدسون) عالم اللغة الاجتماعي أن من أهم منجزات علم اللغة (اللسانيات) في القرن العشرين تجاوز تلك الفكرة التي تفضل لغة على أخرى، وأن معظم علماء اللغة يعترفون أن رجل الشارع يعتقد أن بعض نوعيات اللغة أفضل من بعضها! والحقيقة أن فكرة عدم تفضيل لغة على أخرى صحيحة من جهة إخضاعها للدراسة فقط؛ فكل اللغات واللهجات متساوية في خضوعها للدراسة والبحث والوصف ولا فرق بينها في ذلك البتة، وإنما الفرق فيما يظهره البحث وتقره الوقائع من تميز بعضها بخصائص معينة تفتقر إليها بقية اللغات، وهذا ما جعل العربية لغة القرآن الكريم.
لذلك لا بد من التفكير ألف مرة عند تعليم اللغة العربية لمن يريد تعلمها من غير الناطقين بها؛ إذ لا يغني تعليم اللهجة العربية السعودية أو المصرية أو اللبنانية أو غيرها عن تعليم الفصحى؛ لأن تعليمه إحدى تلك اللهجات وإتقانه إياها سيجعله جاهلا باللهجات العربية الأخرى، وبكل تأكيد باللغة العربية الفصحى الأم الجامعة لكل هذه اللهجات، ولكن تعليمه اللغة العربية الفصحى التي تنتمي إليها كل تلك اللهجات سيجعله قابلا لتعلمها بمجرد الانغماس في المجتمع الذي يريد تعلم لهجته، وببعض المجهود والمساعدات، والأهم أنه سيجعله قادرا على أن يقرأ كتاب الله - تبارك وتعالى - ويفهمه ويستشعر إعجازه، ويقرأ سنة نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ويستوعب بيانها؛ فإن كان مسلما فتلك الغاية وذلك الهدف، ويرجى بعد ذلك أن يكون ناقلا لذلك العلم، وإن لم يكن مسلما فقد أوقفناه على الطريق الذي يستطيع من خلاله التعرف إلى الدين الإسلامي، وأوقفناه على طريق الهداية الذي إن شاء - بعد مشيئة الله - اهتدى من خلاله، وإن لم يشأ فقد علمه وقامت عليه الحجة، ونكون قد بلغنا ما أمر الله به من تبليغ الرسالة وتيسير تبليغها؛ الرسالة التي أنزل الله - سبحانه وتعالى - بها القرآن الكريم عربيا، وبعث بها النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة وإلى العالم أجمع.
