حماية الأجواء اليمنية قرار الدولة لا غيرها
عبداللطيف محمد الحميدان5 دقائق للقراءةحجم الخط
ليست القضية في حادثة الطائرة الإيرانية التي اخترقت الأجواء اليمنية مجرد واقعة عسكرية أو إجراء ميداني عابر، وإنما هي لحظة سياسية تكشف طبيعة الصراع الحقيقي الدائر في اليمن بين مشروع الدولة ومشروع تجاوز الدولة. فكل محاولة لاختزال ما جرى في إطار صراع إقليمي أو نسبته مباشرة إلى المملكة العربية السعودية أو إلى التحالف العربي تتجاهل حقيقة جوهرية تتمثل في أن القرار الذي اتخذته وزارة الدفاع اليمنية كان قرارا سياديا صادرا عن مؤسسة عسكرية وطنية تمثل الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دوليا وتمارس صلاحياتها الدستورية في حماية المجال الجوي للجمهورية اليمنية. ومن هذا المنطلق فإن أي إجراء اتخذ ضد الطائرة المخالفة لا يمكن تفسيره إلا باعتباره ممارسة قانونية لحق أصيل من حقوق الدولة في فرض سيادتها على أجوائها وحدودها ومنافذها وفقا لما تقره قواعد القانون الدولي وأعراف العلاقات بين الدول.
وإن أخطر ما تسعى إليه بعض الروايات السياسية والإعلامية هو سحب القرار من الدولة اليمنية وإلصاقه بأطراف أخرى، وكأن الحكومة الشرعية عاجزة عن ممارسة أبسط وظائفها السيادية. وهذه المقاربة لا تستهدف المملكة والتحالف بقدر ما تستهدف تقويض مفهوم الدولة اليمنية نفسها لأنها تنزع عنها حقها في اتخاذ القرار وتصورها وكأنها مجرد واجهة شكلية، بينما الحقيقة أن بناء الشرعية يبدأ من الاعتراف بقدرتها على فرض القانون وحماية الحدود وتنظيم المجال الجوي والتعامل مع أي اختراق يمس الأمن الوطني. ولذلك فإن التعامل العسكري مع الطائرة الإيرانية يجب أن يفهم باعتباره رسالة يمنية قبل أن يكون أي شيء آخر، ورسالة تؤكد أن المجال الجوي اليمني ليس منطقة مستباحة ولا ممرا مفتوحا لتجاوز مؤسسات الدولة مهما كانت الذرائع السياسية أو الإنسانية التي ترفع لتبرير ذلك.
ولعل البعد الأكثر أهمية في هذه القضية يتمثل في أن إيران لم تتعامل مع اليمن خلال سنوات الأزمة باعتباره دولة ذات مؤسسات شرعية مكتملة الصلاحيات وإنما حاولت تكريس واقع مواز يقوم على التواصل مع المليشيات الحوثية وإضفاء شرعية سياسية وأمنية على سلطات الأمر الواقع. ومن هنا فإن أي محاولة لإدارة حركة الطيران أو الموانئ أو المعابر بعيدا عن الحكومة الشرعية لا تعد مجرد مخالفة إجرائية بل تمثل تحديا مباشرا لمبدأ سيادة الدولة. ولذلك فإن رد وزارة الدفاع اليمنية لم يكن موجها ضد طائرة بعينها بقدر ما كان موجها ضد فكرة تجاوز الدولة وإضعاف حضورها في أكثر الملفات ارتباطا بمفهوم السيادة الوطنية.
ومن منظور استراتيجي فإن الدول لا تستعيد مكانتها عبر البيانات السياسية وحدها وإنما عبر ممارسات سيادية متراكمة تثبت قدرتها على فرض القانون. فالسيادة ليست خطابا إعلاميا وإنما سلوك مؤسسي يتجسد في حماية الحدود وإدارة المجال الجوي وتأمين المياه الإقليمية وتنظيم حركة الدخول والخروج. وكل قرار تتخذه الحكومة اليمنية في هذا الإطار يمثل لبنة جديدة في إعادة بناء الدولة التي حاولت المليشيات والقوى الخارجية تفكيكها على مدى سنوات. ولذلك فإن أهمية ما جرى لا تكمن في الجانب العسكري بقدر ما تكمن في الرسالة السياسية التي تؤكد أن الحكومة الشرعية تمارس اختصاصاتها باعتبارها المرجعية الوحيدة المخولة بإدارة شؤون الدولة اليمنية.
وفي المقابل فإن المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان لم تبن مقاربتها تجاه اليمن على منطق الهيمنة أو مصادرة القرار الوطني كما تحاول بعض الخطابات الترويج له، وإنما على رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على أن استقرار اليمن لا يتحقق إلا بوجود دولة يمنية قوية تمتلك مؤسسات فاعلة وجيشا وطنيا واقتصادا مستقرا وسلطة قادرة على فرض سيادتها على كامل أراضيها. ولهذا فإن جوهر الدور السعودي كان دائما دعم مؤسسات الشرعية وتمكينها من أداء وظائفها وليس الحلول محلها أو ممارسة أدوارها السيادية.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن المملكة لم تكتف بالدعم الأمني والعسكري، وإنما تبنت مشروعا متكاملا لإعادة بناء مقومات الاستقرار في اليمن، من خلال الإسناد الاقتصادي ودعم البنك المركزي وتمويل المشاريع التنموية والإغاثية وإعادة تأهيل البنية التحتية والمساهمة في تحسين الخدمات الأساسية ودعم جهود السلام. وهي سياسات تعكس إدراكا استراتيجيا بأن الأمن الحقيقي لا ينتج من موازين القوة وحدها وإنما من وجود دولة مستقرة ومجتمع قادر على التنمية، واقتصاد يمتلك مقومات الاستمرار. وهذه الرؤية تمثل إحدى أبرز السمات التي ميزت سياسة الأمير محمد بن سلمان تجاه الملف اليمني، حيث ارتبط مفهوم الأمن في رؤيته بمفهوم التنمية والاستقرار طويل المدى وليس بالحلول المؤقتة.
ومن هنا فإن الربط بين القرار اليمني الخاص بحماية المجال الجوي وبين الدور السعودي يمثل قراءة تفتقد إلى الدقة السياسية. فالمملكة دعمت الشرعية كي تمارس صلاحياتها لا كي تتنازل عنها. وكلما اتخذت الحكومة اليمنية قرارا سياديا مستقلا فإن ذلك يعد دليلا على نجاح النهج الذي تبنته الرياض في بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز استقلال قرارها الوطني. وهذا هو الفارق بين من يدعم الدولة لتقف على قدميها وبين من يدعم المليشيات لتبقى بديلا عن الدولة.
ولهذا فإن ما جرى لا ينبغي أن يقرأ باعتباره حادثة مرتبطة بطائرة إيرانية فحسب، بل باعتباره اختبارا لمفهوم السيادة اليمنية في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد. فالدولة التي لا تحمي أجواءها لا تستطيع أن تحمي قرارها السياسي، والدولة التي تعجز عن فرض قواعدها على منافذها تفقد تدريجيا قدرتها على إدارة مستقبلها. أما عندما تبادر مؤسساتها الشرعية إلى ممارسة صلاحياتها فإنها ترسل رسالة واضحة إلى الداخل والخارج، بأن مشروع استعادة الدولة لم يعد شعارا سياسيا بل أصبح ممارسة عملية تتقدم بخطوات ثابتة. وفي هذا الإطار يظل الدعم الذي تقدمه المملكة العربية السعودية بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان أحد أهم مرتكزات استقرار اليمن، لأنه دعم يستهدف ترسيخ الدولة لا مصادرة قرارها، وبناء المؤسسات لا استبدالها، وتمكين اليمن من استعادة أمنه وتنميته وازدهاره، ليعود ركنا أساسيا في منظومة الأمن والاستقرار العربي.
