ليس كل ما يجرح لامعا حادا، وليس كل سكين ترفع باليد. فهناك ثمة سكاكين من نوع آخر، مصقولة بالكلمات، ومقبضها المجاملة، وحدها الابتسامة التي تخفي ما لا ينطقه اللسان. إنها السكين التي لا تريق دما، ولكنها تستنزف روحا.
في زمن ازدادت فيه العناية بالمظاهر، أصبح البعض أكثر براعة في إخفاء القسوة خلف لغة مهذبة. يبتسمون وهم يقللون من شأن الآخرين، ويثنون وهم يزرعون الشك، وينصحون بينما يطعنون الثقة بالنفس. فلا تسمع صوت الجرح، لكنك ترى أثره في انكسار النظرات، وفي الصمت الذي يطول بعد الكلمات.
ولعل أكثر ما يوجع في هذا النوع من الإيذاء أنه لا يمنح صاحبه حق الدفاع عن نفسه. فكيف يحتج على كلمة تبدو جميلة؟ وكيف يفسر ألما لا يراه أحد؟ لذلك تبقى الجراح الخفية أطول عمرا من الجراح الظاهرة، لأنها تسكن الذاكرة، وتعود كلما تكررت المواقف.
إن الصراحة، على قسوتها أحيانا، قد تكون أكثر رحمة من المجاملة الكاذبة. فالحقيقة الواضحة تمنح الإنسان فرصة للتصحيح، أما الإيذاء المغلف باللطف فلا يترك سوى الحيرة، ويفسد العلاقات بصمت، حتى إذا انهارت، تعجب الجميع من سقوطها.
الكلمة ليست مجرد حروف تنطق أو تكتب، بل هي مسؤولية أخلاقية. وما يخرج من اللسان يعكس ما يسكن القلب. لذلك لا تقاس رقة الحديث بعذوبة ألفاظه، وإنما بسلامة أثره. فكم من كلمة بسيطة صنعت إنسانا ورفعت همته، وكم من عبارة منمقة هدمت ثقة شامخة استغرق بناؤها سنوات.
نحن في حاجة إلى ثقافة تعيد الاعتبار للصدق، وتجعل الوضوح فضيلة، والاحترام أساسا للحوار. فليس المطلوب أن نتجمل وننمق حديثنا بقدر ما هو مطلوب أن نكون صادقين في مقاصدنا، إيجابيين في نقدنا، وعادلين في أحكامنا.
فالسكين لا تصبح أقل خطرا لأنها ملساء، ولا يخف الجرح لأن اليد التي أحدثته كانت ناعمة. فبعض الطعنات لا تؤلم لحظة وقوعها، لكنها تبقى عالقة في الذاكرة، شاهدة على أن القسوة قد ترتدي أحيانا أجمل الوجوه، وأن أخطر السكاكين حدة هي تلك التي لا يشعر بها أحد إلا بعد فوات الأوان.
dakhelalmohmadi@
نعومة السكين
دخيل سليمان المحمدي2 دقائق للقراءةحجم الخط
