في عصر الاقتصاد الرقمي والاتصال الفوري أصبحت المعلومات موردا استراتيجيا، وأصبح تشكيل الرأي العام أحد أهم أدوات القوة السياسية، ومع التطور المتسارع للنماذج التوليدية للذكاء الاصطناعي التي أصبحت متاحة لأي فرد؛ أصبحت هذه النماذج قادرة على إنتاج محتوى مزيف يصعب على الإنسان العادي والمختصين أحيانا التمييز بينه وبين المحتوى الحقيقي، الأمر الذي أدخل التضليل مرحلة أكثر تعقيدا.

واستغلت الجهات القائمة على الحملات الدعائية والمؤسسات الإعلامية الذكاء الاصطناعي لإعادة إنتاج واقع مصطنع، من خلال إنتاج فيديو مزيف لزعيم سياسي على سبيل المثال يدلي بتصريحات لم تصدر عنه، أو إنشاء تسجيل صوتي لمسؤول حكومي يتبنى مواقف لم يعلن عنها مطلقا، أو توليد آلاف المقالات والمنشورات لاستهداف شرائح اجتماعية محددة وفقا لميولها النفسية والسياسية والثقافية.

وتكمن خطورة هذه المرحلة في أن الذكاء يقوم بتزييف المعلومات ضمن تقنيات التزييف العميق «Deepfake» لتصبح قادرة على محاكاة تعابير الوجه، ونبرات الصوت، وحركات الجسد بطريقة صعبة الكشف وخاصة مع وجود نماذج جديدة قادرة على التعلم، والنتيجة التي أصبحت واضحة للعيان تراجع قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والاختلاق، وتزايد قدرة الفاعلين على صناعة روايات بديلة تبدو أكثر إقناعا من الوقائع ذاتها.

من النماذج المضللة التي أنتجت بواسطة الذكاء الاصطناعي لتحقيق استحقاقات سياسية على سبيل المثال خلال الانتخابات الهندية 2024، استخدمت تقنيات استنساخ الأصوات والترجمة الآلية لإنتاج خطابات انتخابية بلغات محلية متعددة، وظهرت نسخ رقمية لعدد من المرشحين للتواصل مع الناخبين في مناطق مختلفة بما يعكس تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة مباشرة في الحملات الانتخابية.

وفي الولايات المتحدة أثارت المكالمات الهاتفية التي استخدمت صوتا مولدا بالذكاء الاصطناعي لجو بايدن جدلا واسعا بعد توجيهها إلى ناخبين قبيل الانتخابات التمهيدية، في محاولة للتأثير في مشاركتهم السياسية، وشهدت الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024 انتشارا واسعا للصور والفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي، ما دفع السلطات الفيدرالية وشركات التكنولوجيا إلى تطوير آليات أكثر صرامة لرصد المحتوى المزيف والإفصاح عنه.

وشهدت انتخابات إندونيسيا والمكسيك في 2024 استخداما واسعا للأدوات التوليدية في إنتاج المحتوى الانتخابي، سواء في الحملات الرسمية أو عبر الحسابات غير الرسمية، ووصفت تلك الانتخابات بأنها أول انتخابات عالمية دخل فيها الذكاء الاصطناعي بوصفه لاعبا سياسيا مؤثرا.

وشهدت الحرب الروسية الأوكرانية تداول مقاطع فيديو مزيفة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تدعو الجنود إلى الاستسلام، وانتشرت مواد إعلامية ملفقة استهدفت التأثير في الروح المعنوية وتشويه صورة القيادات السياسية والعسكرية، وهذا ما حذرت منه تقارير الأمم المتحدة والمنتدى الاقتصادي العالمي التي أشارت إلى أن الحروب المستقبلية تعتمد على التفوق العسكري والمنافسة الشرسة في المجال المعرفي، وهي بذلك تستهدف إعادة تشكيل الإدراك العام والتأثير في القرارات عبر الفضاء الرقمي.

وتشكل خطورة الذكاء الاصطناعي في قدرته على جعل الجمهور يصدق الأكاذيب وفي قدرته على دفعهم إلى التشكيك في الحقائق ذاتها وهذا لأنه ببساطة جعل من كل دليل بصري وصوتي قابلا للتزييف مما يفقد الحقيقة قيمتها كدليل، ويدخل البيانات الرقمية في أزمة ثقة، وضمن مسلسل الإنكار، بإمكان أي مسؤول أو شخصية عامة تواجه تسجيلا حقيقيا يدينها أن تدعي أن التسجيل مولد بالذكاء الاصطناعي وهو المعروف في الوسط العلمي باسم «الإنكار المعقول»، وفي المقابل تكافئ منصات التواصل الاجتماعي المحتوى الأكثر إثارة للجدل أكثر من المحتوى الموضوعي، لأن خوارزميات التوصية لا تبحث عن الحقيقة وإنما عن زيادة التفاعل وإطالة مدة بقاء المستخدم داخل المنصة.

ضمن هذا السياق، فإن بناء الوعي الرقمي هو خط الدفاع الأول، وقد اعتمد الاتحاد الأوروبي «قانون الذكاء الاصطناعي» EU AI Act 2024، الذي صنف بعض تطبيقات التزييف العميق ضمن التطبيقات عالية الخطورة، وألزم بالإفصاح عن المحتوى المنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي في حالات معينة، كما طورت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت وغوغل وأوبن إيه آي، أدوات للعلامات المائية الرقمية وتوثيق مصدر المحتوى، ويعمل تحالف «C2PA» على وضع معايير عالمية لإثبات أصالة الصور والفيديوهات والمحتوى الرقمي، وأصدر المنتدى الاقتصادي العالمي تقارير متتالية اعتبرت المعلومات المضللة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي من أخطر المخاطر العالمية خلال السنوات المقبلة لما تمثله من تهديد سياسي وللاستقرار المجتمعي والثقة بالمؤسسات.