صناعتنا والمنطقة الرمادية
عمر عبدالرحمن الشدي4 دقائق للقراءةحجم الخط
هذا المقال آمل أن يحظى بشرف اطلاع صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان آل سعود حفظه الله.. فهو مقترح للنهوض بالابتكار ودعمه في وطننا الغالي.
تخيلوا معي شركة ناشئة اخترعت منتجا صديقا للبيئة، آمنا، ويحل مشكلة حقيقية في السوق.. لكنها تكتشف أن الطريق إلى الترخيص أطول من الطريق إلى الإنتاج نفسه. لا لأن المنتج خطر، ولا لأنه غير مجد، بل لأنه ببساطة «لا يشبه» ما اعتادت عليه اللوائح.
هذه ليست فرضية نظرية أو دراما في مسلسل، بل واقع تعيشه فئة نامية من الصناعات الابتكارية في المملكة، ولعلي أعرفها هنا باسم «المنطقة الرمادية».
دعوني أطرح الاستفسار الذي يدور في خلدكم «ما هي تلك المنطقة الرمادية؟»
هذه المنطقة عبارة عن مساحة صناعية معلقة بين عالمين «عالم الأنظمة التقليدية» التي كتبت لمنتجات من جيل سابق رغم محاولة تطويرها، و»عالم الابتكار» الذي يتحرك بسرعة لا ينتظر تحديث اللوائح!؛ والنتيجة على سبيل المثال لا الحصر، أن منتجات آمنة وصديقة للبيئة، بدل أن تستقبل كرافعة اقتصادية، تجد نفسها محاصرة بمتطلبات تصميمها الأصلي لا يمت لطبيعتها بصلة، من اشتراطات بيئية تقليدية إلى اختبارات تعقيم وتحلل لا تنطبق أصلا على تركيبته، وهناك أمثلة أخرى على صناعات تريد ملامسة المستقبل.
دعوني أصفها بالمشكلة وهي هنا ليست تفصيلية بل بنيوية، وتتشكل من محاور ثلاثة متداخلة؛ أولها كلفة الامتثال الزائد، حين تقاس منتجات غير نمطية بمعايير مصممة لغيرها أو معممة على الجميع، تتحول الرقابة من أداة حماية إلى عبء مالي وزمني يثقل كاهل الشركات الصغيرة والناشئة تحديدا التي تملك تلك الابتكارات، وهي الأكثر هشاشة والأكثر حاجة للدعم لا التعقيد.
وثانيها صدمة السوق، فالمستهلك في أي سوق ناشئة، يحتاج وقتا وبيئة تهيئة تدريجية للتعامل مع منتجات غير مألوفة، وهو ما لا توفره بعض اللوائح التي صممت لعموم السوق.
ثالث تلك المحاور، وربما الأعلى خطورة، أن كل تأخير في دخول هذه المنتجات للسوق يعني استثمارات مؤجلة، وابتكارات مهاجرة إلى اقتصادات أكثر مرونة، وهنا كارثة، فلن تجد تلك الابتكارات مكانا خصبا أو دافئا يحتضنها!
والأهم أن هذا التحدي ليس سعوديا حصرا، بل خبرة عالمية تعلمنا الكثير؛ فالمملكة المتحدة وسنغافورة والمجر لجأت جميعها إلى ما يعرف بـ»الصناديق التنظيمية التجريبية»، وهي آلية تسمح للمبتكرين باختبار منتجاتهم ضمن بيئة رقابية محكومة، لكن بإعفاءات مؤقتة ومدروسة من بعض الاشتراطات التقليدية.
وحسب ما وثقته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن هذا النهج لم يضعف الحماية النظامية، بل عزز الشفافية بين الجهات الرقابية والمبتكرين، وقلص كلفة الدخول إلى السوق دون المساس بجوهر الرقابة نفسها، وفي بريطانيا تحديدا، ساعد «صندوق اختبار بيولوجيا الهندسة» الجهات التنظيمية على مواكبة الابتكارات الحيوية الحديثة، عبر تعاون مباشر مع القطاع الصناعي بدل فرض قوالب جاهزة عليه.
والمملكة ليست غريبة عن هذا النهج؛ فلدينا بالفعل تجارب مشابهة للصندوق التنظيمي التجريبي المرتبط بالبيانات، والذي أثبت أن المرونة التنظيمية والحماية يمكن أن تسيرا معا دون تناقض.
ولكن السؤال هنا ليس عن الجدوى، فالتجربة أثبتت نفسها محليا وعالميا، بل عن التوسع، ولماذا لا يستنسخ هذا النموذج ليشمل الصناعات الابتكارية غير النمطية عموما؟
هنا يبرز مقترح عملي يستحق النظر الجاد، إنشاء مسار أو إدارة متخصصة مرتبطة مباشرة بوزارة الصناعة والثروة المعدنية، تتولى تقييم هذه الصناعات حالة بحالة، ومنحها اشتراطات مرنة، واستثناءات مدروسة، وتمويلا يتناسب مع طبيعتها الخاصة، ليس تخفيفا للرقابة، بل إعادة توجيه لها كي تصبح أداة تمكين لا عائق تأخير.
فالمملكة، وهي تتقدم بخطى واثقة نحو مستهدفات رؤية 2030 في التنويع الصناعي وجذب الاستثمار النوعي، لا يمكنها أن تسمح لأنظمة قديمة بأن تكون العقبة أمام صناعات المستقبل؛ والوزارة بما راكمته من خبرة في إدارة تحولات كبرى بقطاع الطاقة، مؤهلة اليوم أكثر من أي وقت لقيادة تحول مماثل في القطاع الصناعي، عبر مسار ينصف الابتكار بدل أن يعاقبه على اختلافه.
فالفارق بين اقتصاد يستهلك حاضره وآخر يبني مستقبله، غالبا ما يبدأ من جرأة تنظيمية بسيطة، وهي أن نمنح كل منتج فرصة أن يقاس بمقياسه، لا بمقياس غيره.
ALSheddi@
