مدارس مكة المكرمة ليست مجرد مبان تعاقبت عليها الأجيال، بل هي صفحات مضيئة من تاريخ التعليم في المملكة العربية السعودية، وشواهد على مراحل البناء العلمي والتربوي التي شهدتها هذه المدينة المباركة. ومع ما تشهده مكة المكرمة اليوم من مشروعات تطوير وتغيرات عمرانية متسارعة، تزداد الحاجة إلى توثيق تاريخ مدارسها قبل أن تتفرق وثائقها، وتضيع ذكرياتها، ويرحل شهودها.
ومن المدارس التي تستحق أن تروى سيرتها مدرسة تحفيظ القرآن الكريم الأولى الابتدائية، التي عرفت لاحقا باسم مدرسة الشيخ عبدالعزيز بن باز الابتدائية لتحفيظ القرآن الكريم، وهي مدرسة ارتبطت منذ نشأتها بموقع تاريخي له مكانته في الوجدان الإسلامي.
ففي جمادى الأولى من عام 1370هـ، الموافق مارس 1951م، تفضل جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - رحمه الله - بمنح الشيخ عباس قطان، أمين العاصمة آنذاك، الأرض البيضاء التي كانت تعرف بدار أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها، لإقامة مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم في موضع بيتها، المعروف باسم «مولد السيدة فاطمة» في زقاق الحجر. كما تفضل - رحمه الله - بمنحه أيضا الموقع الذي ولد فيه الرسول ﷺ، لإقامة مكتبة يؤمها طلاب العلم ورواده.
وأنشئت المدرسة في ذلك الموقع، واشتهرت باسم «مدرسة السيد عباس في دار أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها»، وشيدت من ثلاثة أدوار، وخصصت لتحفيظ القرآن الكريم وتعليمه. وظلت تؤدي رسالتها حتى أزيل مبناها ضمن مشروع توسعة المسجد الحرام من الجهة الشرقية عام 1410هـ، الموافق 1989م.
وبعد إزالة المبنى، انتقلت المدرسة إلى دار الأرقم بالصفا، ثم إلى مقر مدرسة علي بن أبي طالب في الحفائر، ثم إلى حي التيسير، وبعد ذلك إلى مخطط السبهاني عام 1433هـ، حتى استقر بها المقام في مقرها الحالي بمخطط الهدى.
وكان اسمها منذ تأسيسها «مدرسة تحفيظ القرآن الكريم الأولى الابتدائية»، ثم صدر قرار بتغيير اسمها إلى «مدرسة الشيخ عبدالعزيز بن باز الابتدائية لتحفيظ القرآن الكريم» بعد وفاة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -؛ تقديرا لجهوده الكبيرة في خدمة الإسلام والمسلمين.
وتعاقب على إدارة المدرسة منذ تأسيسها نخبة من التربويين الذين كان لكل منهم إسهامه في مسيرتها، وهم:
- الأستاذ أحمد زهر الليالي - رحمه الله - (1371هـ-1386هـ).
- الأستاذ مسلم إيمان منشي رحمه الله - (1386هـ-1387هـ).
- الأستاذ مقبول عبد الكافي أحمد رحمه الله - (1387هـ-1401هـ).
- الأستاذ محمد حسين الجفري (1401هـ-1415هـ).
- الأستاذ بكر إدريس فلاتة - رحمه الله - (1415هـ-1419هـ).
- الأستاذ سجاد مصطفى كمال الحسن (1419هـ-1428هـ).
- الأستاذ محمد سعيد بنيان اللهيبي (1428هـ-1434هـ).
- الأستاذ عبد الله بن إبراهيم الزهراني (1434هـ-1439هـ).
- الأستاذ سعود الغامدي (محرم وصفر من عام 1440هـ).
- الأستاذ عبده بن سلطان الجيزاني 1440هـ - 1445هـ).
- الأستاذ نايف حسنين (1445هـ ـ 1446هـ).
- الأستاذ سالم بازيد (1446هـ وحتى الآن).
ولعل من النماذج المشرقة في توثيق تاريخ المدارس المكية، ما قام به الأستاذ خالد الحسيني، مدير مدرسة الرحمانية سابقا، إذ بذل جهدا مشكورا في توثيق تاريخ مدرسة الرحمانية، التي تعد أقدم مدرسة حكومية في مكة المكرمة، وقد تأسست عام 1330هـ. وجمع ما تيسر له من وثائق وصور ومعلومات تتعلق بتاريخ المدرسة، وأصدرها في كتاب يعد أول توثيق تاريخي مستقل للمدرسة، صدر عام 1420هـ، ليقدم نموذجا يحتذى في حفظ الذاكرة التعليمية وتوثيقها.
ومن هنا، فإن من الأهمية بمكان أن تتبنى الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، بالتعاون مع الإدارة العامة للتعليم بمنطقة مكة المكرمة، مشروعا وطنيا لتوثيق تاريخ التعليم في مكة المكرمة، بوصفه النواة الأولى للتعليم النظامي في المملكة العربية السعودية، من خلال إنشاء متحف متخصص يجمع ما تزخر به المدارس من وثائق وصور ومقتنيات تاريخية، ويحفظ أرشيف إدارة التعليم الذي أصبح كثير منه عرضة للإهمال، ويصون هذه الكنوز للأجيال القادمة قبل أن تمتد إليها يد الإهمال أو يطويها النسيان.
هذا المتحف سيكون واجهة حضارية توثق مسيرة التعليم في مكة المكرمة، وتبرز تطوره في العهد السعودي، وتوفر مادة علمية أصيلة للباحثين والمهتمين، فضلا عن تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ مدارس مدينتهم ورجالها وروادها.
فمدارس مكة لها تاريخ، ومن واجبنا أن نهتم به، ونحفظه للأجيال القادمة. وما لم نسارع إلى توثيقه وصونه اليوم، فقد نجد غدا أن كثيرا من هذا التاريخ قد غاب إلى غير رجعة.
makkawicom@

