شاهر النهاري

من يحكم إيران حقا؟

الاثنين - 13 يوليو 2026

Mon - 13 Jul 2026


قد يبدو السؤال بسيطا، لكن الإجابة عنه تكشف واحدة من أكثر البنى السياسية تعقيدا في العالم.

فمن الناحية الدستورية يقف المرشد الأعلى على رأس هرم السلطة، حتى وإن بدا غائبا لا يستدل عليه في كثير من اللحظات المفصلية.

غير أن الواقع السياسي الإيراني يتحرك بخطوط متعارضة من المرجعيات، لكل منها وزنها وأطماعها وقدرتها على تصدر المشهد والتأثير المباشر في القرار، وإن بقيت جميعها ضمن الأطر التي رسمت منذ قيام الجمهورية الإسلامية.

فالمرشد، ومجلس الأمن القومي، والحكومة، والبرلمان، والحرس الثوري، والمرجعيات الدينية، والتيارات الإصلاحية والمحافظة، ومراكز النفوذ الاقتصادية والإعلامية، كلها تشارك بدرجات متفاوتة في صناعة القرار.

قرار لا يعبر غالبا عن الشعب ولا عن القوميات المتنافرة التي تعيش داخل الدولة، لكنه يعكس توازنات داخلية دقيقة تجعل قراءة الموقف الإيراني شديدة الصعوبة، خصوصا حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية أو الملفات الأمنية الكبرى.

وقد ظهر هذا التناقض بوضوح خلال جولات التفاوض الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران. فالمراقب كان يسمع مساء تصريحات توحي بالانفراج، ثم يستيقظ في اليوم التالي على مواقف أكثر تشددا، ما جعل التصريحات المتعجلة القادمة من واشنطن تزيد المشهد تعقيدا.

أصوات متعددة تتحدث باسم إيران، وكل صوت يدفع بالمفاوضات نحو زاوية مختلفة، حتى بدت أدوار دول الوساطة ناقصة ومترنحة، لا تعرف الثقة، ولا أي خطاب تعتمد عليه.

ولم يقتصر هذا التباين على المفاوضات النووية، بل امتد إلى ملفات حساسة مثل أمن الخليج، ومستقبل مضيق هرمز، والعلاقات المتوترة مع دول الجوار، وحدود استخدام القوة أو التهدئة عبر الحلفاء الإقليميين.

وفي كل ملف تظهر اختلافات في التوقيت والتوجه والنبرة ومصداقية الخطاب، ما يعزز الانطباع بأن صناعة القرار الإيراني تمر بمراحل متلاطمة من الأخذ والرد والتعجيز، لا تكاد تستقر على موقف نهائي.

كما لا يمكن تجاهل تعدد التيارات داخل المجتمع الإيراني نفسه.

فهناك من يدعو إلى السلام والتنمية والانفتاح الاقتصادي وتخفيف العزلة، وهناك من يرى أن التشدد هو الضمانة الوحيدة لبقاء النظام، وهناك من يتحين فرصة للثورة على واقع خانق.

أصوات إصلاحية ومحافظة وقومية ودينية تتنافس على تفسير مصلحة الدولة، وإن كانت حدود هذا التنافس مقيدة بطبيعة النظام السياسي وبأولوية أيديولوجية ترى في الصراع جزءا من الهوية.

لهذا بدت المفاوضات في كثير من محطاتها وكأنها تتحول إلى نقاش داخلي بقدر ما هي حوار مع الخارج.

فالوفد الإيراني لا يحمل رسالة واضحة للطرف الآخر، بل يحمل أعباء إرضاء مراكز القوى المختلفة في الداخل، وهو ما يفسر كثيرا من التبدلات الفكرية التي رافقت مسار التفاوض.

إن سؤال: من يحكم إيران؟ لا يمكن الإجابة عنه بتحديد اسم واحد ولا مؤسسة واحدة، رغم الموقع المحوري للمرشد الأعلى في الدستور.

فإيران تدار عبر منظومات معقدة تتقاطع فيها المرجعيات الدينية مع النفوذ العسكري والحسابات السياسية والمخاوف الداخلية والضغوط الاقتصادية، ما ينتج قرارات تبدو أحيانا متماسكة، وأحيانا أخرى متناقضة.

وقد أظهرت المفاوضات أن الغموض جزء أصيل من طبيعة النظام؛ يمنحه قدرا من المرونة في التهرب من الأزمات، لكنه في الوقت ذاته يضاعف الارتباك الداخلي، ويجعل الخارج يتساءل بعجز ودهشة فيمن يتخذ القرار النهائي في طهران؟

shaheralnahari@