لم تكن المائدة السعودية يوماً مجرد مساحة لتناول الطعام؛ فهي امتداد للهوية الثقافية للمجتمع، ومرآة لتنوع مناطقه، وسجل حيّ للعادات والتقاليد التي انتقلت عبر الأجيال. وبين وصفاتٍ توارثتها الأسر، ومكوناتٍ ارتبطت بجغرافيا المكان، وأساليب إعدادٍ تعكس خصوصية كل منطقة، تشكلت فنون الطهي بوصفها أحد أبرز صور التراث الثقافي للمملكة.

ومن هذا المنطلق، جاءت "جائزة فنون الطهي" ضمن مبادرة "الجوائز الثقافية الوطنية" التي تنظمها وزارة الثقافة، لتحتفي بالأفراد والمؤسسات التي أسهمت في تطوير هذا القطاع وإبراز قيمته الثقافية.

وتعكس الجائزة التحول الذي شهده مفهوم الطهي خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد يُنظر إليه بوصفه ممارسة يومية فحسب، بل كقطاع ثقافي وإبداعي قادر على نقل القصص والتقاليد والقيم الاجتماعية عبر الأطباق والنكهات. كما أسهمت في تسليط الضوء على الجهود المبذولة لتوثيق الموروث الغذائي السعودي، وتطويره، وتقديمه بأساليب معاصرة تحافظ على أصالته وتمنحه حضوراً أوسع محلياً وعالمياً.

وتأتي الجائزة ضمن منظومة "الجوائز الثقافية الوطنية" التي واصلت التجدد منذ انطلاقها عام 2020 بـ 14 مساراً، وصولاً إلى 19 مساراً في نسختها الأخيرة لعام 2025، في انعكاس واضح لاتساع المشهد الثقافي السعودي وتنوع قطاعاته الإبداعية.

ومنذ الدورة الأولى، احتفت "جائزة فنون الطهي" بتجارب متنوعة تمثل مختلف جوانب القطاع؛ ففي نسخة عام 2021، فاز بالمركز الأول راكان العريفي، فيما حلّ في المركز الثاني الأكاديمية السعودية "زادك" لفنون الطهي، ونالت نورة البدران المركز الثالث، وذلك في دورة عكست أهمية تكامل الأدوار بين الأفراد والمؤسسات التعليمية والتدريبية في تطوير القطاع.

وفي الدورة الثانية عام 2022، مُنحت الجائزة لعبدالصمد الهوساوي، فيما شهدت الدورة الثالثة عام 2023 تتويج شركة بتيل المحدودة، تقديراً لدورها في تقديم تجربة غذائية تجمع بين الجودة والهوية المحلية، وتسهم في تعزيز حضور المنتجات السعودية في الأسواق المختلفة.

أما الدورة الرابعة عام 2024، فقد فاز بها محمد المنصوري، في تأكيد على أهمية الجانب المعرفي والبحثي في تطوير القطاع، بينما منحت الجائزة في دورتها الخامسة عام 2025 لأحمد زكي كامل، استمراراً لنهج الجائزة في الاحتفاء بالتجارب التي أسهمت في تطوير فنون الطهي وتعزيز حضورها الثقافي.

وتكشف أسماء الفائزين عبر الدورات الخمس عن اتساع مفهوم فنون الطهي داخل المشهد الثقافي السعودي؛ فهو لا يقتصر على الطهاة وحدهم، بل يشمل المؤسسات التعليمية، والباحثين، والشركات، وكل من يسهم في حفظ الموروث الغذائي وتطويره ونقله إلى الأجيال الجديدة. كما تعكس الجائزة تنامي الوعي بأهمية المطبخ السعودي بوصفه عنصراً من عناصر الهوية الوطنية، وأحد الجسور التي تربط الثقافة بالمجتمع والسياحة والاقتصاد الإبداعي.

وفي وقت يشهد فيه القطاع اهتماماً متزايداً على المستويين المحلي والدولي، تؤكد "جائزة فنون الطهي" أن الثقافة يمكن أن تُقرأ في كتاب، وتُشاهد على مسرح، كما يمكن أن تُتذوق في طبق يحمل تاريخ المكان وروح أهله؛ لذلك تعد الجائزة احتفاء بالنكهات بوصفها جزءاً من الذاكرة، وبالطهي بوصفه لغة ثقافية قادرة على رواية الحكايات وحفظها للأجيال القادمة.