تستقر في الوعي الأكاديمي صورة راسخة للجامعة بوصفها مؤسسة تؤدي ثلاث وظائف متكاملة هي التعليم، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع. وانطلاقا من هذه الرسالة، أنشأت الجامعات عمادات أو إدارات للشراكة والمسؤولية المجتمعية. ومع ذلك، يظل التساؤل قائما حول مدى قدرة هذه الوحدات الإدارية على إحداث شراكة مجتمعية فاعلة تترجم إلى أثر ملموس في المجتمع.

تشير الممارسة إلى وجود فجوة بين الطموحات المعلنة والتطبيق الفعلي. فكثيرا ما يطلب من أعضاء هيئة التدريس توثيق مشاركاتهم المجتمعية، في حين تكون فرص المشاركة محدودة أو غير واضحة. ورغم إبراز الشراكة المجتمعية في الخطط الاستراتيجية والتقارير السنوية، إلا أن أثرها الميداني لا يكاد يرى في كثير من الجامعات. ويرتبط ذلك بضعف قنوات التواصل مع المجتمع من جهة، ومع أعضاء هيئة التدريس من جهة أخرى، مما يحد من قدرة الجامعات على توظيف خبراتها العلمية في خدمة احتياجات المجتمع.

وتؤكد الدراسات وجود هذه الفجوة؛ إذ أظهرت دراسة حول المسؤولية المجتمعية في الجامعات السعودية الحكومية وجود سياسات وأطر تنظيمية واضحة، يقابلها ضعف في إشراك المجتمع المحلي ومحدودية في قياس الأثر والحوافز المقدمة للمشاركين (مجلة التربية: 2020: 187: 123–153). كما أشارت دراسات أخرى إلى الحاجة لتعزيز أدوار القيادات الأكاديمية وتطوير آليات مؤسسية أكثر فاعلية لدعم الشراكة والمسؤولية المجتمعية (المجلة التربوية: 2020: 72: 879–941؛ مجلة العلوم التربوية: 2022: 29: 1–28). وتعكس هذه النتائج فجوة بين التوجهات المعلنة والتطبيق العملي، وهو ما يحد من قدرة الجامعات على إحداث أثر مجتمعي حقيقي.

تكشف هذه النتائج أن التحدي لا يرتبط بغياب الهياكل التنظيمية، وإنما بقدرتها على بناء علاقات فاعلة مع المجتمع وتوظيف الخبرات الأكاديمية في معالجة قضاياه بمنهجية مناسبة. ولهذا تبدو الاستفادة من التجارب الناجحة خطوة مهمة في تطوير نماذج أكثر تأثيرا.

ففي الهند، أتاح برنامج Live-in-Labs بجامعة أمريتا للطلاب وأعضاء هيئة التدريس العمل والعيش داخل المجتمعات الريفية لفهم احتياجاتها والمشاركة في تطوير حلول تنموية مستدامة. وأسهم البرنامج في ربط التعليم والبحث العلمي بقضايا التنمية المحلية، مقدما نموذجا عمليا للشراكة المباشرة مع المجتمع. وفي المملكة المتحدة، وظفت جامعة لوبورو المبادرات الطلابية لتعزيز الاستدامة البيئية وتحويلها إلى ثقافة مؤسسية من خلال برامج تنافسية حققت نتائج ملموسة في رفع الوعي والمشاركة. وفي جامعة نورث ويست بجنوب أفريقيا، أحدث نموذج البحث التشاركي الذي يشارك فيه أفراد المجتمع أثرا فعالا في تحديد القضايا وصياغة الحلول، مما عزز استدامة المبادرات وزاد ارتباطها بالاحتياجات الفعلية للمستفيدين.

وتشير هذه النماذج إلى أن الشراكة المجتمعية الفاعلة تبدأ بالتعرف على احتياجات المجتمع عن قرب والاستماع إلى أولوياته، ومن ثم بناء برامج تستند إلى تلك الاحتياجات وتستثمر الخبرات الأكاديمية المتاحة. ويقتضي ذلك أن تطور إدارات الشراكة المجتمعية آليات منتظمة للتواصل مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، بما يمكنها من التعرف على الاحتياجات واقتراح المبادرات المناسبة وتطويرها بالتعاون مع المختصين.

وتزداد فاعلية مثل هذه الجهود عندما تتوافر قاعدة بيانات محدثة لخبرات أعضاء هيئة التدريس وتخصصاتهم، بما يتيح الاستفادة منها في تخطيط برامج الشراكة المجتمعية وتنفيذها. كما يمكن تشكيل لجان استشارية أو فرق عمل تضم ممثلين من التخصصات المختلفة للمشاركة في تحديد الأولويات، وتصميم المبادرات، ومتابعة تنفيذها وتقييم أثرها. فإشراك المتخصصين منذ المراحل الأولى يرفع من جودة البرامج ويعزز ارتباطها بالاحتياجات الفعلية للمجتمع.

وهذا النهج سيسهم في توجيه الطاقات الأكاديمية نحو مجالات أكثر ارتباطا بالتنمية المجتمعية؛ إذ يمكن للكليات الصحية تنفيذ برامج توعوية وخدمات استشارية، وتسهم كليات الهندسة في تقديم الحلول الفنية والاستشارات الهندسية، بينما تدعم كليات الحاسبات مبادرات الأمن السيبراني والتحول الرقمي، وتساند كليات إدارة الأعمال المشروعات الصغيرة والجمعيات غير الربحية. كما يمكن لكليات العلوم الأساسية أن تؤدي دورا مهما في نشر الثقافة العلمية، وتعزيز الوعي بقضايا البيئة والاستدامة، وتنظيم المعارض والأنشطة العلمية الموجهة للطلاب والمجتمع. وتشارك كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية في برامج الصحة النفسية والتطوير المهني والتثقيف المجتمعي. وبهذا تصبح الشراكة المجتمعية جهدا مؤسسيا تشارك في صياغته وتنفيذه مختلف التخصصات، بما يعزز أثره واستدامته.

كما يتطلب نجاح هذه الجهود أنظمة واضحة للتوثيق والمتابعة وقياس الأثر، وربط الأنشطة بمنصات العمل التطوعي، وتوفير حوافز تشجع المشاركة وتقدر الجهود المبذولة. كما يسهم التدريب على مهارات التواصل والعمل المجتمعي في رفع جودة المبادرات وتعزيز استدامتها.

خلاصة القول، إن قيمة الشراكة المجتمعية لا تقاس بعدد الإدارات أو المبادرات الإعلامية، وإنما بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة الناس. وعندما تنجح الجامعة في بناء جسور تواصل مستدامة مع مجتمعها، وتوظف خبراتها العلمية في الاستجابة لاحتياجاته وتطلعاته، تصبح الشراكة المجتمعية ممارسة مؤسسية فاعلة تتجاوز حدود الخطط والوثائق. وعندئذ تؤدي الجامعة رسالتها على نحو أكثر تميزا، بوصفها مؤسسة منتجة للمعرفة، ورافدا للتنمية، وشريكا حقيقيا في بناء المجتمع وتحسين جودة الحياة.