فهيد العديم

نريد انتخاب برنامج... لا انتخاب شخص!

السبت - 11 يوليو 2026

Sat - 11 Jul 2026



بمجرد أن أعلن رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم استقالته، تحولت الساحة الرياضية إلى معرض كبير للأمنيات، لم يسأل أحد «ما المشروع الذي نريده للكرة السعودية؟» بل كان السؤال الأكثر تداولا «من نريد؟»

وكأننا نبحث عن بطل لمسلسل جديد، لا عن رئيس لمؤسسة يفترض أنها تقود مستقبل اللعبة.

في كل مرة يتغير فيها الرئيس، تتكرر الحكاية نفسها، أسماء تتقدم، وأسماء تتراجع، وقوائم للمؤيدين، وقوائم للمعارضين، حتى يخيل إليك أن كرة القدم أصبحت فرعا من فروع علم الأنساب، لا علم الإدارة.

الطريف أن معظم الترشيحات لا تبدأ بعبارة «لديه برنامج»، بل بعبارة «أنا أعرفه»، أو «هو رجل ناجح»، أو «هذا ينتمي إلى المدرسة التي أحبها»، وكأن النجاح ينتقل بالعدوى، أو أن الميول الرياضية أصبحت مؤهلا إداريا يكفي لقيادة مؤسسة بحجم اتحاد كرة القدم.

الفلاسفة يقولون إن الإنسان يميل إلى اختصار الأسئلة الصعبة بإجابات سهلة.

والسؤال الصعب هنا هو: كيف سننهض بكرة القدم؟ أما الإجابة السهلة فهي: فلان!

وهكذا نرتاح من عناء التفكير، ونسلم أحلامنا إلى اسم، ثم نجلس في المدرجات ننتظر.

ننتظر ماذا؟

ننتظر الفشل.

نمنح الرئيس سنوات كاملة دون أن نسأله إلى أين يسير، ثم بعد أن تضيع السنوات، نكتشف فجأة أنه لم يصل إلى أي مكان. عندها نغضب، ونطالب بالتغيير، ونبدأ رحلة البحث عن اسم جديد، لنكرر التجربة ذاتها، وكأن الزمن لا يحاسب أحدا.

إنها أشبه بمن يركب حافلة دون أن يسأل عن وجهتها، ثم يغضب عندما يكتشف أنها لم توصله إلى المدينة التي يريدها.

المفارقة الساخرة أننا نتعامل مع البرنامج الانتخابي كما نتعامل مع كتيب إرشادات الأجهزة المنزلية؛ الجميع يعلم أنه موجود، لكن لا أحد يقرؤه.

مع أن البرنامج هو العقد الحقيقي بين المرشح والناخبين، وهو الوثيقة الوحيدة التي يمكن أن تتحول لاحقا إلى أداة مساءلة. أما الأسماء، مهما كانت براقة، فلا تخبرنا ماذا سيحدث بعد سنة، ولا بعد أربع سنوات.

نحن لا نحتاج إلى رئيس يعدنا بأن يبذل كل ما في وسعه، فهذه جملة تصلح لكل المناسبات، حتى للاعتذار عن الفشل.

ما نحتاجه هو رئيس يقول: في السنة الأولى سأحقق كذا، وفي الثانية سأحقق كذا، وإذا أخفقت في هذا المؤشر فمن حق الجمعية العمومية أن تسألني: لماذا؟

عندها فقط تتحول الإدارة من فن الخطابة إلى علم القياس.

أما أن نترك الأمور تمضي على قاعدة (اترك الدرعى ترعى)، ثم لا نستيقظ إلا بعد أن يخسر المنتخب بطولة، أو يتراجع الدوري، أو تتعثر الفئات السنية، فذلك ليس تقييما للإدارة، بل تشخيص متأخر لمرض كان يمكن اكتشافه منذ بدايته.

المشكلة ليست في الأشخاص، فكل رئيس يأتي محمولا على موجة من التفاؤل، ويغادر محمولا على موجة من الانتقاد ،المشكلة في أننا ما زلنا نؤمن بأن الأسماء تصنع المستقبل، بينما الحقيقة أن المستقبل تصنعه البرامج، وتحميه المساءلة.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يسبق كل انتخابات ليس: من هو الرئيس القادم؟

بل: ما البرنامج الذي يستحق أن يصبح رئيسا؟!