تمتد المدرجات الزراعية من أعالي جبال جازان في مشهد يروي فصولا من علاقة الإنسان بالأرض، ويجسد قدرة المزارع على تحويل المنحدرات الصخرية الحادة إلى حقول خضراء نابضة بالحياة، لتصبح إحدى أبرز السمات الطبيعية والتراثية التي تميز القطاع الجبلي في المنطقة.

ولم تكن هذه المدرجات مجرد وسيلة للزراعة، بل جاءت نتاج خبرات متوارثة عبر أجيال، استطاعت تطويع تضاريس الجبال من خلال بناء جدران حجرية متدرجة تحفظ التربة، وتحد من انجرافها، وتستثمر مياه الأمطار بكفاءة، لتشكل نموذجا مبكرا للاستدامة البيئية وإدارة الموارد الطبيعية.

وتنتشر المدرجات الزراعية في محافظات القطاع الجبلي، ومنها فيفا، والداير، والريث، والعيدابي، وهروب، لتكسو السفوح بألوانها المتدرجة التي تتبدل مع الفصول الزراعية، في لوحة طبيعية تتناغم فيها الخضرة مع الصخور والغيوم، وتمنح المكان طابعا بصريا فريدا. ومع بداية مواسم الأمطار، تستعيد تلك المدرجات حيويتها، إذ تتشبع تربتها بالمياه، وتبدأ المحاصيل بالنمو على مستويات متدرجة تبدو من بعيد كأنها سلالم خضراء ترتقي نحو القمم، في مشهد يعكس دقة البناء وروعة التخطيط الذي ابتكره الإنسان الجبلي منذ مئات السنين.

وتحتضن هذه المدرجات العديد من المحاصيل التي اشتهرت بها جبال جازان، وفي مقدمها البن السعودي، إلى جانب الذرة والدخن والسمسم، وعدد من الفواكه والنباتات العطرية، مستفيدة من المناخ المعتدل ووفرة الأمطار وخصوبة التربة الجبلية، وهو ما أسهم في استمرار النشاط الزراعي وارتباطه بالهوية الاقتصادية والثقافية للمنطقة.