سعود المشهور

الخليج يطيح بسطوة المضايق

الأحد - 05 يوليو 2026

Sun - 05 Jul 2026

أحيانا أشعر أن منطقتنا لا تقرأ من عناوين الأخبار، بل من خطوط الجغرافيا نفسها، فكلما تأملت مضيق هرمز، وباب المندب، أدركت أن هذه الممرات لم تكن يوما مجرد مياه ضيقة، بل أدوات ابتزاز سياسي استخدمتها بعض الدول لفرض نفوذها على حساب أمن المنطقة واستقرارها.

واليوم، ومع تغير طرق التجارة وصعود الممرات البرية، يبدو واضحا أننا نقترب من نهاية مرحلة كانت فيها المضايق تدار بالتهديد لا بالقانون، وبالصوت العالي لا بالشرعية الدولية.

هذا التحول يتجلى بوضوح مع صعود مشاريع الربط السككي الخليجي، المشروع الذي لم يعد مجرد شبكة نقل، بل مشروع تحرير استراتيجي من ابتزاز المضايق. فهذه الشبكة التي تمتد من الكويت حتى عمان ليست مشروعا خليجيا داخليا فقط، بل أصبحت بوابة لربط السعودية مباشرة بتركيا عبر الممر البري الجديد. وهذا الربط السعودي-التركي ليس مجرد امتداد هندسي، بل تحالف جغرافي يفتح طريقا آمنا نحو أوروبا، ويمنح الرياض، وعواصم الخليج العربي قدرة على تجاوز هرمز وباب المندب وقناة السويس عند الحاجة.

كل كيلومتر ينجز في هذا الربط يعني كيلومترا ينتزع من نفوذ إيران، وكل خطوة تقطعها السعودية شمالا تعني خطوة تبعد الخليج عن دائرة التهديدات التي بنت عليها طهران نفوذها لعقود.

ولهذا تحديدا، تدرك إيران أن الممرات البرية الجديدة ليست مجرد طرق... بل إعلان نهاية قدرتها على التحكم في نبض المنطقة عبر المضايق، ولذلك ستسعى - بلا تردد - إلى إرباك المشهد: تصعيد في البحر الأحمر، تحريك أذرعها، أو خلق بيئة توتر تجعل البدائل البرية تبدو أقل جدوى.

أما مصر، فالمعادلة مختلفة. قناة السويس ليست مجرد ممر، بل شريان حياة اقتصادي. وأي مشروع يختصر الطريق نحو أوروبا سيقرأ في القاهرة كتهديد مباشر. لكن مصر - بخلاف إيران - لا تملك رفاهية التصعيد، ولا مصلحة في زعزعة استقرار المنطقة. لذلك ستلجأ إلى التفاوض، وإلى تطوير القناة، وإلى محاولة ضمان دور في الممرات الجديدة بدل مواجهتها.

في رأيي، لا أرى أن المضايق ستفقد قيمتها، ولا أن الممرات البرية ستبتلع دورها. ما أراه هو توازن جديد: البحر يبقى مركز الثقل الأمني، والبر يصبح مركز الثقل الاقتصادي.

وأنا أكتب هذه السطور، يزداد يقيني بأن زمن ابتزاز الخليج عبر المضايق قد انتهى، فالممرات التي كانت تستخدم كورقة ضغط لم تعد قادرة على فرض الإيقاع نفسه. والسعودية - بما تبنيه من طرق، وما ترسمه من مسارات - تعلن بوضوح أن مستقبل المنطقة لن يكتب في طهران، ولا في مضيق يمكن إغلاقه بتهديد، ولا في ممر يمكن تعطيله بميليشيا.

الجغرافيا لم تعد سلاحا يشهر في وجه الخليج، بل ورقة تعاد كتابتها بأيد تعرف تماما إلى أين تتجه... وبأي سرعة تريد أن تصل.