التخطيط العمراني والسعي نحو الحلول الناجعة
الأحد - 28 يونيو 2026
Sun - 28 Jun 2026
في امتحان مقرر 551 تخط: التجديد العمراني، طرحت سؤلا يتناول أساليب تطوير المناطق العشوائية وجاء فيه «الارتقاء بأساليب المعيشة للسكان يعد أحد الحلول الناجعة في التعامل مع المناطق العشوائية». بعد توزيع الأسئلة فوجئت بعدد من الطلاب يسألون عن كلمة «ناجعة» باعتبارها خطأ إملائيا، وأن الكلمة الصحيحة هي «ناجحة». وهو ما دفعني لكتابة هذا المقال لتبيان الفرق بين المصطلحين ليس من الناحية اللغوية فحسب؛ بل في إطار أدبيات التخطيط العمراني.
أولا: من الناحية اللغوية الفرق كبير بين النجاح والنجاعة، فالنجاح يعني إدراك الغاية فنقول نجح الطالب في الامتحان أي أتم الغاية التي سعى لها. ولكننا لا نسأل كم استنزف الطالب من وقت للوصول إلى هذه الغاية وماهي الخسائر المترتبة على هذا النجاح من الناحية الصحية، والاقتصادية؟ النجاح هو الحل الذي انتهينا له، ولكنه قد يكون حلا مؤقتا أو سطحيا، فعندما نستخدم مسكنا للألم نكون قد نجحنا في إيقاف الصداع. من ناحية أخرى، فالنجاعة تعني الحل الجذري والفعال لأصل المشكلة والذي يمنع عودتها، فلا نكتفي بإيقاف الصداع ولكن ننظر إلى أصل المشكلة والتي ربما تكون متعلقة بالتهابات مزمنة، أو توتر يومي، أو ارتفاع في ضغط الدم.
ثانيا: في أدبيات التخطيط العمراني تعد النجاعة بمثابة الدواء الشافي الذي لا يكتفي بتحقيق الهدف المنشود؛ بل ينظر في كفاءة استخدام الموارد والآثار المترتبة على المدى الطويل. النجاعة لا تعني تشغيل مشروع النقل العام أو زيادة عدد مستخدميه؛ بل تنظر إلى أي مدى ساهم هذا المشروع في التخفيف من مشكلة الازدحام المروري والعوائد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المترتبة على المشروع. والأمر ذاته ينطبق على الحلول المقدمة للتعامل مع المناطق العشوائية، فإزالة المباني المتدهورة عمرانيا واستبدالها بهياكل عمرانية حديثة قد تبدو حلا «ناجحا» لكونها غيرت الصورة البصرية؛ ولكنها في المقابل لن تكون «ناجعة» لأنها تجاهلت الأسباب الاقتصادية والظروف الاجتماعية للسكان المقيمين في تلك المناطق.
بعبارة أخرى، قد تساهم هذه الحلول في تحسين الصورة البصرية ولكنها لا تمنع تكرار المشكلة على المدى الطويل؛ كما أنها قد تستنزف العديد من الموارد الحكومية وهي ليست على درجة عالية من الكفاءة والاستدامة. لذلك، تميل الكتابات الأكاديمية المتقدمة لاستخدام مصطلح «النجاعة» لكونه يستهدف جذور المشكلة في إطار تنموي مستدام بما في ذلك تطوير سياسات تعزز من المستويات الاقتصادية للسكان، والصحة العامة، والتعليم وتحافظ على البيئة. وهكذا نفهم أن عملية التجديد العمراني لا تعني استبدال البنية المادية المتدهورة عمرانيا ببنية حديثة؛ بل الارتقاء بالبيئة العمرانية دون إغفال النسيج الاجتماعي والاقتصادي، وهو الهدف الأسمى لعملية التجديد العمراني.
إن مفهوم النجاعة يرتبط بمبادئ التنمية المستدامة، فالسياسات العمرانية لا يمكن تبنيها لأنها نجحت في حل المشكلة؛ بل لأنها قادرة على تحقيق الأهداف بأقل تكلفة اقتصادية وبيئية واجتماعية. وهذا يعني استمرارية النجاح على المدى الطويل. اليوم أصبح تقييم السياسات العمرانية قائما على مبادئ الاستدامة لا سيما في ظل تحديات نقص إمدادات الطاقة، والمياه، والموارد الطبيعية. فقد تنجح بعض المشاريع العمرانية ولكنها تتسبب بآثار بيئية أو تستنزف أعباء مالية على الحكومة. ولهذا أرى أن استخدام مصطلح «النجاعة» ليس ترفا لغويا؛ بل هو تعبير دقيق يعكس فلسفة المخطط العمراني الذي لا يسعى لتحقيق الهدف فحسب؛ بل يؤكد على البعد الاقتصادي، وكفاءة الاستخدام والعدالة الاجتماعية في إطار التنمية المستدامة.