لا تجعلوا صحتكم رهينة للتجارب!!
الخميس - 25 يونيو 2026
Thu - 25 Jun 2026
تابعت بكل اهتمام خلال الفترة الماضية ما أثير عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول عدد من القصص والحالات التي جرى تداولها على نطاق واسع في مختلف أنحاء الوطن العربي، والتي تحدث أصحابها عن التوقف عن استخدام الإنسولين لمرضى السكري أو بعض العلاجات الموصوفة من قبل الأطباء، والاكتفاء باتباع أنظمة غذائية معينة أو وصفات متداولة عبر الإنترنت من قبل بعض المجتهدين الذين لا علاقة لهم نهائيا بعلاج الأمراض، وللأسف فإن ما لفت الانتباه أن عددا من هذه الحالات - وحسب القصص المرئية المتداولة من قبل بعض الأطباء - في منصات التواصل الاجتماعي انتهى بتدهور صحي واضح استدعى دخول المستشفى، فيما وصلت بعض الحالات إلى أقسام العناية المركزة نتيجة مضاعفات خطيرة كان يمكن تجنبها لو تم الالتزام بالخطة العلاجية المقررة من الطبيب المعالج.
والحقيقة التي لا نختلف عليها أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت مصدرا رئيسيا للمعلومات لدى شريحة كبيرة من الناس، إلا أن المشكلة تكمن في أن بعض المحتوى المتداول يفتقر إلى الأساس العلمي أو يعمم تجارب فردية لا يمكن تطبيقها على جميع المرضى، فمن السلوكيات المقلقة في عصر هيمنة الإنترنت أن يتخذ بعض المرضى قرارات صحية مصيرية بصورة عشوائية، مثل إيقاف الدواء أو تعديل الجرعات أو استبدال العلاج بوصفات غير مثبتة علميا، وذلك بناء على مقاطع فيديو أو قصص مؤثرة يتم تداولها على الشبكات الاجتماعية، ودون الرجوع إلى الطبيب المختص، كما أن البعض يعتقد خطأ أن الأدوية هي سبب المشكلات الصحية التي يعانون منها، في حين أن التوقف عنها قد يكون السبب المباشر لتفاقم المرض وحدوث مضاعفات خطيرة - لا قدر الله - ولا تحمد عقباها.
وعندما نتحدث عن الإنسولين تحديدا، فإننا نتحدث عن أحد أهم الإنجازات الطبية في تاريخ البشرية، فمنذ اكتشاف الإنسولين قبل أكثر من 100 عام، أصبح هذا العلاج حجر الأساس في إنقاذ حياة ملايين المرضى حول العالم، فخلال هذا القرن الطويل تراكمت الأدلة العلمية والدراسات السريرية التي أكدت فعاليته وأمانه عند استخدامه وفق الإرشادات الطبية، ولهذا يعتبر الإنسولين من العلاجات القائمة على ما يعرف بـ(طب البراهين)، أي الطب المعتمد على الأدلة العلمية الموثوقة وليس على التجارب الفردية أو الآراء الشخصية.
ويظل السؤال المهم هنا: ماذا يحدث لو توقف مريض السكري الذي يستخدم الإنسولين عن علاجه؟
الجواب باختصار:
التوقف عن الإنسولين يمهد لاضطرابات خطيرة في مستويات السكر بالدم ومضاعفات صحية قد تصل في بعض الحالات إلى مرحلة تهدد الحياة، فالإنسولين هرمون أساسي يساعد الجسم على نقل الجلوكوز من الدم إلى الخلايا لاستخدامه مصدرا للطاقة، وعند غيابه أو نقصه الشديد تبدأ مستويات السكر بالارتفاع بشكل ملحوظ، ففي حالات السكري النوع الأول يعتمد الجسم بشكل كامل تقريبا على الإنسولين الخارجي، لذلك فإن التوقف عن العلاج قد يؤدي خلال فترة قصيرة إلى ارتفاع حاد في سكر الدم، مصحوبا بأعراض مثل العطش الشديد، وكثرة التبول، والإرهاق، والغثيان، والقيء. كما قد تتطور الحالة إلى الحماض الكيتوني السكري وهي من أخطر مضاعفات السكري، وتستدعي تدخلا طبيا عاجلا، أما لدى المصابين بالسكري النوع الثاني فقد تختلف سرعة وتأثيرات إيقاف الإنسولين من شخص لآخر بحسب قدرة البنكرياس على إنتاج الهرمون ومرحلة المرض، إلا أن التوقف عن العلاج غالبا ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر، وما يرافق ذلك من شعور بالتعب والعطش وتشوش الرؤية، إضافة إلى زيادة خطر حدوث مضاعفات طويلة الأمد تؤثر في القلب والكلى والأعصاب والعينين، ومن كل ما سبق يتضح لنا أن التوقف المفاجئ عن العلاج قد يحول مرضا يمكن السيطرة عليه إلى حالة طبية طارئة تستدعي التدخل الفوري.
ومن المهم أيضا هنا التأكيد على أنه لا يوجد حتى اليوم علاج بديل يمكن أن يحل محل الإنسولين لدى المرضى الذين يحتاجون إليه وفق التشخيص الطبي، بينما يسهم النظام الغذائي الصحي، والنشاط البدني، وإنقاص الوزن، والالتزام بنمط حياة متوازن، بشكل كبير في تحسين السيطرة على مرض السكري وتقليل مضاعفاته، لكن هذه الإجراءات لا تعتبر بديلا عن الإنسولين عندما يكون العلاج مهما وضروريا من الناحية الطبية.
وفي المقابل فإن رعاية مرضى السكري اليوم أصبحت أفضل بكثير مما كانت عليه في العقود السابقة، وذلك بفضل التطور الكبير في الأجهزة والتقنيات الحديثة، إذ ساهمت أجهزة المراقبة المستمرة للسكر، ومضخات الإنسولين الذكية، والتطبيقات الرقمية المتخصصة في تحسين التحكم بمستويات السكر وتقليل المضاعفات ورفع جودة الحياة لدى المرضى، وأصبح بإمكان المريض والطبيب متابعة الحالة بصورة أكثر دقة وسهولة مما كان متاحا في الماضي.
الخلاصة: إن خير نصيحة يمكن توجيهها لجميع المرضى، سواء كانوا مصابين بالسكري أو غيره من الأمراض المزمنة، هي ألا يجعلوا صحتهم خاضعة للتجارب أو للمحتوى المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي مهما بدا مؤثرا أو مقنعا، فكل مريض له ظروفه الصحية الخاصة، وما قد ينجح مع شخص لا يعني بالضرورة أنه مناسب لغيره، والطبيب المعالج هو الشخص المؤهل لتقييم الحالة الصحية وتحديد العلاج المناسب ومتابعة نتائجه، أما اتخاذ قرارات علاجية فردية بعيدا عن المشورة الطبية فقد تكون له عواقب وخيمة لا تقتصر على تدهور الحالة الصحية فحسب، بل قد تصل في بعض الأحيان إلى تهديد حياة المريض نفسه، فالمحافظة على الصحة تبدأ بالالتزام بالعلاج الموصوف، والاعتماد على المعلومات الطبية الموثوقة، وعدم الانسياق وراء الادعاءات غير المثبتة مهما كان انتشارها أو حجم التفاعل معها، وسلامة صحتكم.