هبة مبارك الدوسري

﴿ن والقلم وما يسطرون﴾

الخميس - 18 يونيو 2026

Thu - 18 Jun 2026


من أجمل المحطات التي أستمتع بها خلال عملي الأكاديمي هو تدريس الطالبات المستجدات بالكلية. حيث أسعد كثيرا بالعلاقة الإنسانية التي تبنى معهن خلال السنة الأولى من حياتهن الجامعية، واللاتي أرى فيهن آمالا وطاقات شبابية لقيادات وطنية مستقبلية تحقق مستهدفات رؤيتنا الواعدة 2030. ومؤخرا، كنت أقوم بإعطائهن اختبارا معرفيا قصيرا دون درجات «ورقي وليس عبر الحاسب الآلي» يهدف لقياس مدى استيعابهن للمفاهيم الأساسية المرجو تحقيقها.

عند تصحيح الأوراق، كنت أهيئ نفسي للعديد من الاحتمالات مثل: إجابات خاطئة، سوء تعبير، عدم فهم للسؤال بسبب حاجز اللغة...إلخ. لكن ما أثار دهشتي كان أمرا يتخطى هذه الاحتمالات؛ خط غالبية الطالبات المتعثر في أوراق الإجابة بصورة ترهق القارئ في تتبع الحروف والكلمات، حروف متعرجة وكلمات مائلة غير منتظمة عبر السطور، خط يفتقر للانسيابية والوضوح مما شكل تحديا في قراءته رغم اختيارهن للإجابة الصحيحة في معظم الحالات.

استرجعت هذه الذكرى حين تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا دراسة حديثة حول تأثير التحول الرقمي على التعليم والتي أجراها باحثون من الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا (NTNU) ونشرت عام 2024 في مجلة Frontiers in Psychology، واستخدمت فيها تقنية تخطيط الدماغ عالي الكثافة لإظهار أن الكتابة اليدوية تولد شبكات اتصال عصبي أكثر اتساعا وارتباطا بالتعلم والذاكرة مقارنة بالكتابة على لوحة المفاتيح. وأبرزت نتائج الدراسة أن الكتابة اليدوية أظهرت أنماطا واسعة من الترابط العصبي بين مناطق متعددة في الدماغ وزيادة واضحة في موجات ثيتا وألفا التي ترتبط علميا بتكوين الذاكرة ومعالجة المعلومات الجديدة والانتباه والتعلم طويل المدى.

بينما لم تظهر الطباعة على لوحة المفاتيح هذا المستوى من الترابط. وتوصلت الدراسة إلى أن الكتابة اليدوية توفر ظروفا عصبية أكثر ملاءمة للتعلم من الطباعة، من حيث التفاعل المتزامن بين العين واليد والدماغ.. تلك العملية المعقدة التي تتطلب تحكما دقيقا بالقلم، وتنسيقا لحركة الأصابع ومتابعة شكل الحرف بصريا، والتي تخلق بالتالي أنماطا عصبية أكثر ثراء مقارنة بالضغط المتكرر على الأزرار.

سابقا، كان الطفل يتعلم الكتابة ببطء. يمسك القلم، يضغط على الورق، يخطئ، يمحو، ثم يعيد المحاولة مرارا وتكرارا. كانت الكتابة تبدو تمرينا بسيطا. لكنها في الحقيقة كانت أكثر من ذلك بكثير، كانت تدريبا خفيا للدماغ: كانت اليد تفكر، والعين تتابع، والذاكرة تبني طريقها بهدوء. اليوم تغير المشهد، أصابع صغيرة تنزلق على الشاشات قبل أن تتمكن من ربط أزرار ملابسها. طفل في عامه الأول يعرف كيف يمرر الفيديو، ومراهق يقضي ساعات طويلة بين هاتف ولوح ذكي ولعبة الكترونية. لم تعد الشاشة أداة عابرة. أصبحت غرفة نوم، وفصلا دراسيا، وساحة لعب، وصديقا لا ينام.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس: هل نستخدم التقنية أم لا؟ السؤال الأهم: ماذا يحدث لأطفالنا عندما تصبح الشاشة هي الطريق الأسهل لكل شيء؟

التقرير الذي نشر عن وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية في 2026 «U.S. Surgeon General’s Advisory: Surgeon General’s Warning on the Harms of Screen Use» أصدر تحذيرا صحيا عاما حول أضرار الاستخدام المفرط وغير المنضبط للشاشات على الأطفال والمراهقين، وهو من أعلى مستويات التنبيه الصحي المستخدمة في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي دعا إلى التدخل الوقائي والتحرك المبكر. أشار التقرير إلى أن الاستخدام الضار للشاشات لم يعد مسألة ترف تربوي، بل قضية صحة عامة، فالخطر لا يأتي من الشاشة وحدها.

بل من طريقة تصميمها، والتي تقود الكثير من الصغار لسلوك أشبه بالإدمان. فالشاشات مصممة بعناية لتبقيك متعلقا بها: تمرير لا نهائي، تشغيل تلقائي، إشعارات ومكافآت تشدك للعودة مرارا. وحين يفكر الطفل في الشاشة باستمرار، ويبكي إذا طلب منه التوقف، ويخفي حجم استخدامه، ويهمل واجباته وعلاقاته الواقعية، فهذه ملامح تشبه الإدمانات السلوكية المعترف بها طبيا. والأضرار تمتد إلى عدة نواح: تأخر في اللغة وصعوبات في الانتباه والتعلم لدى الصغار بسبب التشتت وقت الاستذكار، وبالتالي انخفاض الدرجات، نوم أقصر، زيادة في احتمالات السمنة، وعادات غذائية واجتماعية سيئة.

لكن أهم ما في التقرير ليس الأرقام، بل المبدأ الذي يقف خلفها، فالأدلة كما يذكر معدو التقرير لا تزال تتطور، ومع ذلك يتبنى التقرير «مبدأ الوقاية» والذي لا يمكن أن ينتظر حتى تكتمل كل الأدلة. وقدم التقرير حلولا عملية لخصها في خمس خطوات للأسر مع أطفالهم: ناقش طفلك فيما يشاهد، وكن قدوة بسلوكك، وأجل دخول الشاشات حياته أطول فترة ممكنة، وحول انتباهه إلى بدائل صحية، واصنع أوقاتا خالية من الأجهزة خلال اليوم خاصة قبل النوم وعلى المائدة.

والمسؤولية هنا ليست حصرية على الأسرة وحدها؛ فالمدارس مدعوة لسياسات تنظم استخدام التقنية في التعليم والتعلم، وشركات التقنية مطالبة بأن تصمم منتجاتها لرفاهية المستخدم ونفعه.. لا لإبقائه مربوطا بها لأطول وقت، وصناع القرار، لحماية مصالح الأطفال وأمانهم وجودة حياتهم الصحية والاجتماعية.

وأخيرا وليس آخرا؛ ما أعظم ديننا الحنيف الذي منحنا منهاج حياة صالحا لكل العصور. فحين أقسم الله بالقلم «ن والقلم وما يسطرون» في مطلع سورة القلم قبل أكثر من 14 قرنا؛ كان ذلك إشارة إلى قيمة حضارية ومعرفية عظيمة لأداة دونت بها الشرائع، وحفظت بها العلوم، وانتقلت بها خبرات البشرية عبر الزمن. وها هو العلم الحديث، وبعد قرون طويلة، يكشف أن الكتابة باليد لا تحفظ المعرفة فحسب.. بل تسهم أيضا في تشكيل شبكات التعلم داخل الدماغ نفسه.

ليس هذا عداء للتقنية؛ فهي جزء من حياتنا ولن تختفي. لكنها دعوة لحياة أوسع.. لإعادة التوازن، أن نطفئ الشاشة قليلا ونشعل عقول أطفالنا وأجسادهم، ونمنحهم ملاعب وكتبا وأصدقاء حقيقيين. الشاشات تكبر مع أطفالنا وتتمدد عاما بعد عام، والسؤال المعلق أمامنا كمجتمع: هل ننتظر حتى تكتمل الأدلة، أم نتحرك الآن بينما لا يزال بإمكاننا أن نصنع فرقا؟

HibahAldosari@