المرأة التي لاحظت ما لم يلاحظه أحد: اختناق التصفح الرقمي
الأربعاء - 10 يونيو 2026
Wed - 10 Jun 2026
في المقال السابق، توقفت عند تلك العادة الصغيرة التي يمارسها الأغلبية تقريبا قبل النوم: إطفاء الأنوار ومنح أنفسنا ما نظنه دقائق هادئة من التصفح على هواتفنا. غير أن تلك الدقائق التي تبدأ بريئة وتمتد بصمت، تؤخر النوم، وتربك الساعة البيولوجية، وتسرق من أجسادنا جودة الراحة التي نحتاجها لنبدأ يومنا بصفاء، حتى نستيقظ وكأننا لم ننم حقا.
لكن ما يحدث وقت النوم ليس سوى وجه واحد من الحكاية. فالشاشة لا تكتفي بأن تسرق ليالينا، بل قد تفعل شيئا أعمق وأكثر خفاء. في عام 2007، لاحظت الباحثة الأمريكية ليندا ستون أمرا لم يلاحظه أحد من قبل، حين كانت تجلس في مقهى تراقب الناس من حولها. من خبرتها المهنية السابقة كتنفيذية في مايكروسوفت وآبل، اعتادت ستون أن تمعن النظر فيما يغفل عنه غيرها.
ما لفت انتباهها هذه المرة لم يكن ما يفعله الناس، بل ما لا يفعلونه!! أغلبهم لا يتنفسون بشكل طبيعي وهم يتصفحون هواتفهم أو يقرؤون بريدهم الالكتروني. وحين عادت إلى مكتبها قامت بإجراء دراسة على موظفين تنفيذيين كانت تراقبهم أثناء تعاملهم مع الشاشات، والنتيجة أذهلتها: نحو 80% منهم كانوا يحبسون أنفاسهم أو يتنفسون بصورة سطحية متقطعة دون أن يدركوا ذلك.
أطلقت على هذه الحالة اسم Email Apnea، أي «انقطاع تنفس البريد الالكتروني»، ثم اتسع المصطلح لاحقا ليشمل كل تفاعل مع الشاشة تحت مسمى اختناق الشاشة أو Screen Apnea. لم تكن ستون تتوقع أن ملاحظتها ستصبح بعد سنوات ظاهرة موثقة علميا ولها اسم، وترتبط بأعراض عديدة مثل الإجهاد المزمن، واضطرابات النوم، وتراجع جودة الحياة، ولها تبعات تمتد أعمق بكثير من مجرد انقطاع للتنفس عابر.
يفسر البروفيسور ستيفن بورجيس، أستاذ الطب النفسي في جامعة نورث كارولينا، ما يحدث داخل الجسد بدقة أثناء ممارسة التصفح الرقمي اليومي: حين يتنقل الشخص بين الإشعارات والمقاطع القصيرة والأخبار المقلقة والمقارنات الاجتماعية، والخوف من فوات شيء ما، يحاول الجهاز العصبي فك شيفرة سؤال واحد: هل هذا تهديد؟ ولأن الدماغ لا يفرق دائما بين خطر حقيقي وخطر رقمي، يختار الجواب الذي أورثته إيانا ملايين السنين من التطور: الاستعداد للقتال أو الفرار. فيرتفع الكورتيزول، ويتسارع النبض، ويصبح التنفس أقصر وأسرع. والمشكلة أن المعركة لا تأتي، فيظل الجسد معلقا في حالة تأهب دائم، ينتظر عدوا لن يصل. وهكذا لا يعود التصفح مجرد عادة، بل يتحول إلى حالة استنفار عصبي مستمر. تترجم في الجسد كإشارات تهديد.
وحين يتكرر ذلك يوما بعد يوم، تبدأ آثاره في الظهور على هيئة صداع، أرق، إرهاق غير مفسر، تشتت ذهني، ضيق في الصدر، ومزاج لا يعرف صاحبه سبب اضطرابه. أما التبعات بعيدة المدى فتتسع لتشمل: ضعف المناعة، اضطراب النوم، صعوبة التعلم والتذكر، زيادة الوزن، والتهابات صامتة تنخر في الجسد دون إعلان.
والسؤال البديهي في هذا الوضع: إذا كانت الشاشة تنهك أجسادنا هكذا، فلماذا لا نتوقف؟ هنا يتدخل علم الإدمان السلوكي بإجابة مزعجة في بساطتها.
إن كل إعجاب يتلقاه الشخص، وكل مقطع مفاجئ يظهر أو إشعار يومض على شاشته، يطلق دفعة صغيرة من الدوبامين في الدماغ. حيث رصدت دراسة نشرتها إحدى مجلات مجلة Sage – Royal Society of Public Healthعام 2025 ما أطلق عليه الباحثون «تصفح الدوبامين»، والتي كشفت أن أكثر من مليار شخص حول العالم يقضون ما معدله ثلاث ساعات يوميا في تصفح وسائل التواصل، فيما تجاوز المعدل في بعض الدول أربع ساعات.
ما يحدث في هذا السلوك الإدماني لمنصات التواصل أنها تضعف المستوى القاعدي للدوبامين في الدماغ تدريجيا، فتفقد الأنشطة اليومية العادية بريقها، ويصبح المستخدم مدفوعا قسرا نحو مزيد من التصفح. وقد رصدت البروفيسورة غلوريا مارك من جامعة كاليفورنيا أن كل جلسة تصفح تحوي نحو 300 حركة تمرير منفصلة، أي 300 فرصة يومية لإطلاق الدوبامين، و300 فرصة لحبس الأنفاس دون وعي. والنتيجة مشهد يتكرر كثيرا للأغلبية: أنفاس مشدودة ومتقطعة وأكتاف منحنية. صداع متكرر متبوع بإرهاق غير مفهوم، وأرق بلا سبب، وتوتر دائم رغم غياب الضغوط الواضحة.
والحل؟ ما الذي يمكن أن نتعلمه من هدي ديننا وتراثنا في استعادة أنفاسنا والطمأنينة والسكينة لعقولنا من هذا الضجيج الرقمي الذي لا ينام؟
هنا يقدم لنا ديننا الإسلامي إرشادا عميقا لا بوصفه وعظا منفصلا عن الصحة، بل بوصفه نظاما متكاملا لحفظ الإنسان من التشتت والقلق. فقد ربط القرآن الطمأنينة بذكر الله: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ والطمأنينة هنا ليست معنى روحيا مجردا، بل حالة استقرار داخلي تنعكس على الجسد والنفس والسلوك. في عالم الشاشات بمستجداتها المتسارعة، حيث تصبح الصلاة خمس محطات يومية لإيقاف الضجيج. إنها ليست عبادة روحية فقط، بل لحظات انفصال واع عن العالم الخارجي؛ نغسل وجوهنا من أثر الانشغال، نقف بلا هاتف مقيد إلى معاصمنا، نخفض رؤوسنا، ننظم أنفاسنا، ونعود إلى معنى أكبر من الإشعار العابر والمقطع القصير. وكأن الصلاة تقول للإنسان خمس مرات في اليوم: توقف... أنت لست مطالبا بأن تلاحق كل شيء. كما أن الهدي النبوي في الاعتدال، وحفظ الوقت، واقتناص خلوات من الصمت والتأمل والابتعاد عن ضجيج المجتمع كما كان نبينا ﷺ يفعل في غار حراء قبل البعثة.. يضع أساسا متينا لما نسميه اليوم «الصحة الرقمية». فما أحوجنا الآن إلى «غار صغير» من السكينة بعيدا عن الشاشات وضجيجها الصامت، التي تستنزف أعمارنا وأنفاسنا وهدوءنا دون أن نشعر.
بالطبع لن تكون ضمن الحلول هجر التقنية كليا، فالهاتف أصبح جزءا من حياتنا وعملنا وعلاقاتنا. لكن الخطر يبدأ حين تفقد التقنية مكانها الطبيعي، فتتحول من أداة في اليد إلى سلطة على العقل والجسد. نحن لا نحتاج فقط إلى «ديتوكس رقمي»، بل إلى رؤية جديدة لعلاقتنا بالشاشة؛ علاقة أكثر وعيا، وأكثر رحمة بأجسادنا وأرواحنا وأنفاسنا.
والآن، وأنت تقرأ هذه السطور: ضع الهاتف جانبا، وخذ نفسا عميقا يتمدد فيه بطنك لا كتفاك. أخرجه ببطء. هذا النفس الذي أخذته للتو هو أول خطوة نحو استعادة ما سرقته الشاشة منك دون أن تنتبه. الإنسان الذي لا يتنفس بعمق لا يعيش بعمق أيضا. فأنفاسنا أثمن من أن تبدد في تمرير عابر، وقلوبنا أكرم من أن تبقى معلقة بضوء صغير يسرق منها السكينة. وبين إشعار وآخر، وبين مقطع وآخر، ما زالت هناك فرصة لأن نعود إلى أنفسنا... إلى ذكر يطمئن القلب، وصلاة تعيد ترتيب الداخل، ونفَس عميق يذكرنا بأن الحياة لا تقاس بسرعة التصفح، بل بعمق الحضور.
HibahAldosari@