أذهب للنوم مبكرا.. لأسهر!! كيف تسرق الشاشات أنفاسنا وجودة حياتنا؟
الأربعاء - 03 يونيو 2026
Wed - 03 Jun 2026
لسنوات طويلة كنت أظن أنني أنتمي إلى أولئك المنضبطين الذين يذهبون إلى النوم باكرا. أطفئ أنوار الغرفة، وأتمدد في السرير، وأمنح نفسي ذلك الشعور المريح بأنني أنهيت يومي كما ينبغي: مبكرا، بهدوء، وبنية صادقة للراحة. لكن الحقيقة التي لم أكن أعترف بها، حتى لنفسي، أن لحظة إطفاء الأنوار لم تكن بداية النوم، بل كانت بداية طقس آخر أكثر خفاء: ساعة كاملة وربما أكثر من التمرير الصامت على شاشة الهاتف في عتمة الغرفة، أتنقل فيها بين المنصات الرقمية، أسترخي قليلا بعد يوم طويل، أضحك على مقطع عابر، أقرأ منشورا، أتابع خبرا، ثم أخلد إلى النوم. تلك الساعة كانت تتمدد بخفة ماكرة، حتى تبتلع من الليل أكثر مما كنت أظن.
في تلك الساعة المضيئة داخل غرفة معتمة، كان جسدي ممددا بسكينة على السرير، لكن عقلي لم يكن في حالة راحة. كان يركض بين تلك الصور، والتنبيهات، والمقاطع القصيرة، والقصص المتلاحقة حول العالم. أصابعي تتحرك بإيقاع آلي، وعيناي تتعبان، والوقت يتسرب بلا صوت، وأنا أكرر الكذبة اليومية ذاتها «خمس دقائق فقط». لكن بعض «الخمس دقائق» لا تمر بلا ثمن. فالشاشة التي نمد إليها أيدينا قبل النوم لا تسرق الوقت وحده، بل تسرق ما هو أعمق: صفاء الدماغ، وهدوء الجسد، واستعداد الروح للسكينة. فالضوء الأزرق المنبعث من الهاتف يربك الساعة البيولوجية، ويؤخر إفراز الميلاتونين؛ ذلك الهرمون الهادئ الذي يهيئ الجسد للدخول في نوم عميق. وهكذا ننام متأخرين، نوما سطحيا متقطعا، ثم نستيقظ في الصباح وكأننا لم ننم حقا. نفتح أعيننا مثقلين، نبحث عن يقظة سريعة في فنجان قهوة، ثم آخر، ونمضي إلى يوم جديد ونحن نحمل إرهاق الليلة الماضية دون أن نسميه باسمه.
ما اكتشفته لاحقا أنني لم أكن وحدي في هذا الفراش المضيء. فقد كشفت بعض المؤشرات العالمية المرتبطة بعادات النوم أن المملكة العربية السعودية جاءت في مراتب متقدمة في قلة النوم، حيث احتلت المركز الثالث عالميا وفق بيانات منتدى الاقتصاد العالمي وتطبيق Sleep Cycle، وهو رقم لا ينبغي أن نقرأه كإحصائية عابرة، بل كمرآة مقلقة لنمط حياة يتغير بصمت.
لقد أعادت التكنولوجيا، مع إيقاع الحياة المتسارع، برمجة علاقتنا بالليل. لم تعد غرف النوم كالسابق ملاذا للراحة والسكينة، بل تحولت إلى ساحات صغيرة للوهج الرقمي. فها نحن بطريقة أو بأخرى، نقترض من رصيد نومنا كل ليلة لنسدد القرض لخوارزميات لا تنام. والأمر لا يقف عند السهر أو فقدان ساعة من الراحة. فالدراسات الطبية الحديثة تشير إلى أن قلة النوم لم تعد مجرد تعب عابر يمكن تجاوزه بكوب قهوة أو عطلة نهاية أسبوع نعوض بها الفاقد من نوم. إنها حالة تؤثر في جودة الحياة بأكملها؛ في الوظائف الإدراكية مثل التيقظ الذهني، سرعة معالجة المعلومات، استقرار المزاج. بل وتزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة وضعف الجهاز المناعي.
والأكثر أهمية أن المسألة ليست في عدد ساعات النوم وحدها. فكم من إنسان ينام ساعات كافية ظاهريا، لكنه يستيقظ مرهقا؛ لأن نومه لم يكن عميقا ولا مريحا. لقد أصبحت جودة النوم عاملا حاسما في جودة الحياة، وربما لهذا تبدو المفارقة مؤلمة: نحن لا نسرق من نومنا مدته فقط، بل نسرق جودته أيضا. والتصفح الرقمي الليلي يفعل الأمرين معا؛ يؤخر النوم، ثم يجعل ما بقي منه هشا ومتقطعا.
لا يفوتني هنا أن أشير إلى وجود إشارات حكيمة حثنا الدين على الانفصال فيها عن المشتتات: كالنوم المبكر بعد العشاء، وبركة وقت الفجر، وراحة القيلولة. وكأن هذه التوجيهات التي بدت للبعض عادات قديمة، تعود اليوم لتكشف لنا وجها وقائيا تؤكده البحوث الحديثة: أن الإنسان لا يستقيم يومه إذا اختل ليله.
ربما نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة غرف النوم لمكانتها الحقيقية في حياتنا: ملاذا للطمأنينة، لا محطة أخيرة لاستهلاك القلق. أن نترك الهاتف بعيدا عن الوسادة، لا لأننا نرفض التكنولوجيا، بل لأننا نريد أن نستعيد حقا إنسانيا بسيطا: أن ننام بعمق وسلام.
في كل ليلة تمد فيها يدك إلى هاتفك قبل النوم وأنت تقول: خمس دقائق فقط، تذكر أن الجسد لا يصدق أعذارنا. الجسد يعرف الحقيقة قبلنا. يعرف أننا أرهقناه حين ظننا أننا نرفه عنه، وأننا حرمناه من سكينته حين أغرقناه في ضوء لا ينطفئ.
ضع الهاتف بعيدا، وأعد إلى الليل هيبته. امنح عينيك ظلاما حقيقيا، وعقلك صمتا يستحقه، وجسدك نوما لا يشبه الانتظار المتعب للصباح. فالنوم ليس وقتا ضائعا نقتطع منه. النوم هو الحياة نفسها، التي ترمم في الظلام، وتتجدد بصمت كل ليلة إن سمحنا لها بذلك.
قالوا قديما: من زان نومه، زان يومه. ولكن في الجزء الثاني من المقال أستعرض وإياكم كيف تسرق الشاشات أنفاسنا وجودة حياتنا حتى في عز النهار.
HibahAldosari@