هتون أجواد الفاسي

الحج وخطى السيدة هاجر عليها السلام

الأحد - 31 مايو 2026

Sun - 31 May 2026


من له بهذه الشعيرة الفريدة التي تعزز روح المساواة واليوم الأول واليوم الآخر، لينطلق كل فرد، أنثى أو ذكر، نحو عملها وعمله، تسعى ويسعى يدعوان ربهما وقد تركا كل شيء وراءهما ليتفرغا بضعة أيام لعلها تنقي الروح والجسد وتشحنهما لعمر قادم. خطوات ترد فيها كل حاجة وحاج صدى خطوات السيدة هاجر عليها السلام التي سكنت هذا الوادي غير ذي الزرع مع ابنها الرضيع، حيث أوصلها سيدنا إبراهيم ورحل تاركا إياها وطفلها بمفردهما في وسط الوادي القفر الجاف الحار المشمس، موكلا عليهما الله تعالى، داعيا أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليه. فما كان منها بعد تلقي صدمة الهجران إلا أن أطاعت أمر الله، ووضعت ثقتها فيه، وهو الذي لا تضيع لديه ودائع، وقالت مقولتها الخالدة: لن يضيعنا. وانطلقت تسعى للبحث عن الماء الذي نفد من قربتها، تسير وتهرول وتجري وتتوقف متنقلة بين جبلي الصفا والمروة بحثا عن أي إشارة لأثر من أنيس أو حياة أو ماء، فتارة ترى سرابا وتارة لا ترى شيئا، فيما إسماعيل يبكي قلبه عطشا وقد قارب على الجفاف من تعب الجوع والعطش وتعب الرحلة المضنية من أرض فلسطين إلى وادي مكة، فمضت تسعى بينهما لا تكف، وفي شوطها السابع سمعت صوتا وظهر لها سيدنا جبريل الذي ضرب الأرض تحت قدمي إسماعيل حتى انبلجت عين زمزم وقال لها إنها عين لشرف ضيوف الرحمن.

وعاشت عمرا بعد ذلك وهي تشاهد الوادي يزدهر والقبائل تنيخ بقربهم تطلب الإذن منها وهي سيدة الوادي، بالقرار وتبني معها أم القرى، حتى عاد سيدنا إبراهيم وقد بلغ إسماعيل أشده بل وقد تزوج لتبدأ مرحلة الابتلاء الثاني بتنفيذ أمر الله بالذبح الذي استسلم له كل من إبراهيم وإسماعيل وهاجر حتى فداه الله بذبح عظيم، وبقيت هي السنة حتى اليوم لترمز لافتداء الأبناء بالأضحية.
ثم ما كان من رفع إبراهيم القواعد من البيت بمساعدة إسماعيل داعيين الله أن يتقبل منهما فهو السميع العليم. ثم يكملان الدعاء الذي ما لبث أن تحقق، «ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب الحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم». أما دعوته لمكة وأهلها فقد استمرت إلى عين حياتنا، «وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله اليوم الاخر». ولم يتوف الله السيدة هاجر إلا وقد شاهدت كرم الله وفضله أمام عينيها، وقد تحول الوادي إلى قرية فمدينة فأم للقرى وقبلة للناس، وقد دفنت قرب الكعبة فيما يعرف اليوم بحجر إسماعيل، ثم دفن إسماعيل قربها.

كم من الرموز تحمل هذه القصة وقصة الحج نفسها، وكم من رسائل محملة بالتسامح مع الألم وبالإيمان المطلق والثقة الخالصة في فضل الله ورحمته. كم منا من يدرك عمليا أن كثيرا من شعائرنا إنما هي مباركة لخطوات شجاعة لامرأة مؤمنة لم تيأس من رحمة الله ولطفه واستمرت تبحث في غير استسلام لكن مع التسليم لله، وتكريما لها وهي تقدم لنا السابقة التي نسير على إثرها محاولين أن نسعى في الكون نعمل ونبني ونساهم في عمارة هذه الأرض التي استخلفنا الله عليها، لنشيدها بالعدل والمساواة والإيمان والإتقان والتفاني، ملبين دعوة أبينا إبراهيم.

وتقبل الله حج المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، ووفقهم لحج مبرور وسعي مشكور وذنب بإذن الله مغفور، وكل عام وأنتم بخير.