الحج رسالة حضارية
الأحد - 31 مايو 2026
Sun - 31 May 2026
بعد انتهاء موسم الحج هذا العام، تلقيت رسالة من صديق أوروبي أدى الفريضة للمرة الأولى، حيث إنه لم يكتب عن المشاعر التي عاشها في عرفات، ولم يتحدث عن رهبة الطواف أو ازدحام الحشود أو طول الرحلة؛ بل توقف عند ملاحظة مختلفة تماما، وقال إنه كان يرى رجال الأمن في الطرقات، والأطباء في المستشفيات، والمتطوعين في المواقع المختلفة، والموظفين في منافذ الخدمة، ثم شاهد صور الوزراء والمسؤولين بين الحجاج يتابعون الأعمال على الأرض، فاستقر في ذهنه سؤال واحد ظل يطارده طوال أيام الحج «كيف تحولت خدمة الحجاج إلى جزء من هوية وطن؟».
أدركت حينها أن الرجل لم يكن يسأل عن موسم الحج، بل عن المملكة نفسها، حيث كان يحاول فهم السر الذي يجعل ملايين البشر يشعرون أن هناك دولة كاملة تعمل من أجل راحتهم؛ فالدول عادة تعرف باقتصادها أو صناعاتها أو نفوذها السياسي، أما هنا فقد وجد نفسه أمام نموذج مختلف، تتجلى فيه قوة الدولة من خلال قدرتها على العطاء، ويقاس فيه النجاح بمقدار ما يصل إلى الإنسان من عناية واهتمام وتنظيم.
ولعل ما يجعل هذا السؤال جديرا بالتأمل، أن خدمة الحجاج في المملكة تجاوزت منذ زمن طويل حدود الواجب الإداري؛ إذ أصبحت جزءا من الوعي الوطني نفسه، فمنذ أن تشرفت هذه البلاد بخدمة الحرمين الشريفين، تشكلت علاقة خاصة بين المكان والإنسان، وبين المسؤولية والشرف، وبين الإدارة والرسالة؛ ولهذا لا ينظر إلى الحج بوصفه ملفا حكوميا موسميا، بل بوصفه مهمة وطنية كبرى تشترك فيها مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلفة ضمن هدف واحد تتوحد حوله الجهود والطاقات.
ومن هنا يمكن فهم المشاهد التي لفتت انتباه العالم خلال هذا الموسم؛ فالوزير الذي يتابع الخدمات في الميدان لا يؤدي دورا استثنائيا خارج سياق العمل، بل يتحرك داخل ثقافة مؤسسية ترى أن القرار يكتسب قيمته من قربه من الواقع، وأن جودة الخدمة تبدأ من معرفة التفاصيل كما هي على الأرض؛ لذلك لم تكن الصور المتداولة للقيادات التنفيذية بين الحجاج مجرد مشاهد إعلامية عابرة؛ لأنها عكست فلسفة عمل تتصل مباشرة برؤية المملكة 2030 التي جعلت الكفاءة والحوكمة وجودة الحياة عناصر حاضرة في مختلف المشروعات الوطنية.
وحين ننظر إلى الحج من زاوية أوسع، تتكشف صورة أخرى تتجاوز حدود التنظيم والخدمات؛ فمكة في هذه الأيام لا تستقبل زوارا من دولة أو قارة بعينها، وإنما تستقبل العالم الإسلامي بأكمله؛ مئات الجنسيات، وعشرات اللغات، وخلفيات ثقافية واجتماعية متباينة، تجتمع في مساحة واحدة وتتحرك ضمن منظومة واحدة؛ وهنا تتحول إدارة الحج إلى رسالة إنسانية وثقافية تعكس قدرة المملكة على بناء الجسور بين الشعوب من خلال تجربة يعيشها الناس بأنفسهم ويحملونها معهم إلى أوطانهم.
ولهذا السبب تبدو الأرقام، على أهميتها، أقل قدرة على التعبير عن المعنى الكامل للمشهد؛ فالأثر الحقيقي للحج يبدأ بعد انتهائه؛ حين يعود الملايين إلى بلدانهم وهم يحملون قصصا عن الكفاءة والتنظيم والضيافة والعناية، وحين تنتقل تلك القصص عبر المجالس ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية بلغات متعددة، فتتشكل في الوعي العالمي صورة وطن جعل من خدمة الإنسان قيمة عملية تترجم إلى مشروعات ومبادرات وجهود يومية.
وعندما استعدت سؤال صديقي الأوروبي بعد انتهاء حديثنا، بدا لي أنه لم يكن يبحث عن تفسير لنجاح موسم حج واحد؛ إذ كان يحاول فهم تجربة أعمق من ذلك بكثير؛ تجربة وطن ارتبط بالحرمين الشريفين فارتبطت هويته بخدمة قاصديهما، ثم مضى في تطوير هذه الرسالة جيلا بعد جيل حتى أصبحت جزءا من صورته أمام العالم؛ ولهذا فإن الحج، في أحد أبعاده الكبرى، ليس حدثا سنويا فحسب، بل رسالة حضارية ترويها المملكة كل عام بلغة العمل، ويقرأها العالم بلغة التجربة.