مركز الضبط الأمني بالشميسي
الأحد - 31 مايو 2026
Sun - 31 May 2026
عند مركز الضبط الأمني بالشميسي بين مكة المكرمة وجدة، وفي موسم الحج، كانت السيارات تتحرك بكثافة نحو العاصمة المقدسة، فيما يقف رجال الأمن في المركز وعلى امتداد الطريق كالصقور المتأهبة، في ثبات وشموخ، تجمع ملامحهم بين الابتسامة والطمأنينة، والحزم والتركيز.
وبينما كانت مركبتنا تعبر المركز، كنت ألاحظ في ألواح الأسماء على اللباس الميداني لرجال الأمن أسماء قبائل وحواضر وعوائل من مختلف أقاليم مملكتنا وجهاتها، فتذكرت ما قرأته عن أحوال الجزيرة العربية قبل التوحيد، حينما كان أجدادهم يعيشون في جزيرة ممزقة، يغلب على أهلها التنافس والتنازع، وتثقلها الخصومات والثارات، فلا تأمن قبيلة قبيلة، ولا تسلم حاضرة ولا عائلة من قطع الطريق وانعدام الأمن، حتى إن الحاج كان يسير إلى مكة وهو لا يعلم إن كان سيصلها حيا. وقد بلغت الفوضى الأمنية آنذاك حدا تزهق فيه الأرواح لأتفه الأسباب؛ فقد ذكرت الروايات أن مجموعة من قطاع الطريق لم يجدوا مع أحد الحجاج شيئا، فسلبوه إحرامه، ثم تركوه حتى هلك، في صورة تكشف مقدار الاضطراب الذي عاشته الطرق وقوافل الحجاج قبل توحيد البلاد وتأمينها.
ثم جاء الملك عبد العزيز، رحمه الله، فوحد الله به الأرض والناس، وجمع القبائل والحواضر والعوائل والمناطق والأقاليم تحت راية واحدة، على قلب رجل واحد، ومن بعده واصل أبناؤه الملوك الكرام ترسيخ الأمن وبناء الدولة، حتى أضحى الأمن سمة هذه البلاد، والطريق إلى الحرمين منذ أن تطأ الأقدام حدود البلاد ومنافذها آمنة مؤمنة.
وهكذا تحولت تلك الأسماء والانتماءات، من عناوين فرقة وخصام، إلى أبناء وطن واحد يقفون اليوم كتفا إلى كتف؛ يحمون الطريق، ويضبطون الأمن، ويتحملون مشقة الميدان لخدمة البلاد وضيوف الرحمن، ويفدي بعضهم بعضا في مواقف الشرف والتضحية، كأنهم جسد واحد جمعته راية الوطن ووحدة الانتماء.
من هنا كنت أتساءل.. لماذا لا تتحول مداخل مكة والطرق المؤدية إليها ومراكز الضبط الأمني الكبرى فيها إلى منصات معرفية تروي للعابرين تاريخ الطريق إلى مكة، وأحوال الجزيرة العربية قبل التوحيد، وجهود الملك عبد العزيز في تأمين الطرق، ثم جهود قادة هذه البلاد ورجال أمنها في حماية الحجاج وخدمة الحرمين من خلال لوحات تحمل رمز استجابة سريعة (QR Code)، يقود إلى محتوى صوتي أو مرئي قصير، بلغات متعددة؟
مثل هذا المقترح يعزز الهوية الوطنية، ويظهر جهود المملكة للعالم، ويجعل العابر من أبنائنا ومن ضيوف بلادنا لا يرى رجل أمن واقفا على الطريق فحسب، بل يدرك معنى وقوفه ويقدر حجم جهده ويرى نبل هدفه. فهؤلاء الرجال هم ثمرة وطن وحده الملك عبد العزيز، رحمه الله، فاجتمعوا على الأمن واللحمة والانتماء، حتى غدونا ننعم بأمان عظيم الأثر، حظينا به عن جميع البشر.