عمر عبدالرحمن الشدي

«روبلوكس» العالم الافتراضي يخنقنا!

الاثنين - 30 مارس 2026

Mon - 30 Mar 2026



في زمن مضى كانت الحكايات أو ما يعرف بالعامية «الحزاوي» هي من أهم تسالي الأطفال في عصر ما قبل الكهرباء إلى دخول التلفاز، بعدها انشغل جيلي ومن هم حول سني بأفلام الكرتون التي تعرض يوميا على الشاشات خلال ساعة واحدة صباحا ومثلها عصرا؛ كنا بين تلك ولقاء الأصحاب «عيال الحارة» بعد المدرسة تمثل أمتع أوقات طفولتنا، وأذكر أول ما تعرفت على لعبة «أتاري» كانت ثورة في عالم ألعاب الفيديو، حتى دخلنا بعدها في زمن كمبيوتر صخر ومن ثم العائلة ونينتندو حتى فجرت سوني العالم بتحفتها بلاي ستيشن وأصبح نقلة قوية بين إصداراته المتتالية.

تلك المقدمة كانت تمثل محور الاختلاف الذي عشناه، فمع تطور الألعاب وتطور رسومها والغرافيك الخاص بها وسرعة اللعب، أصبح هناك نوع من «دس السم بالعسل»، فأصبحت هناك ألعاب تحمل بين فصولها نوعا من الإباحية، بل وحائزة على تصنيف للكبار بجدارة! ليس للألفاظ فقط بل للقطات.

أعتذر عن السرد التاريخي السابق، وإن كان لا بد منه.

وبينما كان ملايين الأطفال يلعبون ببراءة خلف الشاشات.. كانت الشرطة في دولة غربية تضع القيود في يد أحد المبرمجين المرتبطين بلعبة «روبلوكس» بتهم تتعلق باستغلال قاصرين، فالغالب منا سمع عن هذا الخبر وهزه داخليا، هذه اللعبة الأكثر تحميلا ومتابعة من قبل الصغار، ما تكاد تهدأ يوما نار الحملات ضدها لتجريمها، حتى وتشتعل بعدها موجة أخرى.

ومن هنا طرحت تساؤلا بداخلي؛ ماذا يحدث داخل العوالم الرقمية التي يقضي فيها أطفالنا ساعات طويلة؟ وهل المشكلة في لعبة واحدة؛ أم في نمط حياة رقمي جديد يتشكل أمام أعيننا؟ أيضا لماذا تُنتقد «روبلوكس» تحديدا؟

في البداية لنعرف هذه اللعبة، فهي تقوم على فكرة فريدة «عالم مواز» مفتوح يصنعه المستخدمون بأنفسهم، ليعيش كل حياتهم وما لم يستطيعوا تحقيقه في الحياة الحقيقية.. ففي بيئة رقمية ضخمة يصعب التحكم الكامل بمحتواها، قد يجد الأطفال أنفسهم أمام تواصل مباشر مع الغرباء، أو محتوى مخل وغير مناسب، أو ضغوط اجتماعية رقمية، بالإضافة إلى عمليات شراء داخلية متكررة وهنا قد تفتح أبواب أخرى.

كذلك طبيعة «الشخصيات الافتراضية» تمنح المستخدم شعورا بالتحرر من القيود، وهو ما قد يستغله البعض لأهداف غير أخلاقية أو احتيالية.

هذه المخاوف ليست نظرية فقط، بل عززتها تحقيقات وتقارير ودعاوى قانونية في عدة دول، دفعت جهات تنظيمية إلى التفكير في فرض قيود أو تشديد الرقابة، أو ربما منع اللعبة من الظهور في بعض البلدان.

لكن التوقف عند منصة واحدة قد يكون قراءة ناقصة، والحقيقة أن هذا خطر محدق يطوق الأسر في جميع دول العالم، ويشهد تحولا متسارعا وعميقا في طبيعة الطفولة نفسها.

لذلك الألعاب الرقمية لم تعد مجرد تسلية، بل أصبحت وسيلة للتواصل والتعارف، مساحة لبناء الهوية والشخصية، اقتصادا رقميا مصغرا، وبديلا جزئيا عن التفاعل الواقعي، وقد يكون في أحيان مهربا من واقع يعيشه الطفل في حياته الأسرية وأبرزه الإهمال أو عدم المتابعة.. وهنا تكمن المفارقة فالطفل الذي يحقق إنجازا افتراضيا قد يشعر بقيمة أكبر مما يحققه في الواقع، فينشأ صراع خفي بين العالمين، أو بالأصح ينشأ عنده تبلد وعدم حرص على الإنجاز في الحياة الواقعية لصعوبته، ويجلس فقط مكرسا يومه في الحياة الافتراضية، وهنا يصدر جيل هش لا يعرف معنى المسؤولية وقد يكون سهلا للكسر أو البتر من المجتمع وربما سلاحا في خاصرة من يحبونه!

وهذا لا يعني أن الألعاب شر مطلق، لكنها أداة قوية تحتاج توازنا في الاستخدام، وحزما من الوالدين بعيدا عن العاطفة، وتنظيما من الجهات الرسمية يجعل منها أداة مفيدة عكس ما نراه الآن.

إذاً ما الوجه الإيجابي له الذي لا يجب تجاهله؟ يرى خبراء التعليم الرقمي أن هذه المنصات قد تكون بيئة خصبة للإبداع، فهي تعلم الأطفال التفكير المنطقي والحلول والبرمجة، العمل الجماعي، التصميم والابتكار، ريادة الأعمال الرقمية؛ بل إن بعض المراهقين استطاعوا تحويل تطوير الألعاب إلى مصدر دخل مبكر.

إذاً كيف نستفيد منها دون أن ندفع ثمنها اجتماعيا أو نفسيا؟

وماذا يمكن أن نفعل في المملكة العربية السعودية؟.. المملكة اليوم تمتلك بنية تنظيمية رقمية متقدمة ورؤية واضحة للتحول التقني، ما يمنحها فرصة لتقديم نموذج متوازن في التعامل مع هذه الظاهرة؛ ومن أبرز الحلول المقترحة، والتي تبعد عن المنع المطلق، تطبيق تصنيف عمري صارم للألعاب والمنصات، فرض آليات تحقق عمر متقدمة، وأيضا تقييد التواصل بين القاصرين والبالغين؛ كذلك توعية الأسرة عن طريق إطلاق برامج وطنية للأمن الرقمي، تدريب أولياء الأمور على أدوات الرقابة، دمج الثقافة الرقمية في المناهج التعليمية.

وأيضا مراقبة وضبط الاقتصاد الرقمي للألعاب عن طريق مثلا مراقبة أنظمة الشراء داخل الألعاب، منع الأساليب التسويقية المضللة، والأهم دعم الاستثمار في البدائل المحلية، ومنها تطوير ألعاب تعليمية سعودية، دعم صناعة المحتوى الرقمي الآمن، تحويل الألعاب إلى أداة تعليمية وترفيهية إيجابية.

وفي النهاية.. التحدي لن يكون في إيقاف هذا العالم، بل في توجيهه بحكمة قبل أن يوجهنا نحن، وأن يتعلم أطفالنا كيف يعيشون في الواقع قبل أن يضيعوا في العالم الافتراضي.