متى تستضيف إسرائيل كأس العالم لكرة القدم؟
الثلاثاء - 16 يونيو 2026
Tue - 16 Jun 2026
سؤال قد يبدو رياضيا، لكنه في الحقيقة أعمق تاريخيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا بامتياز. فاستضافة كأس العالم ليست مجرد توافر ملاعب حديثة وتقنية وفنادق ومطارات، بل خلاصة شهادة ثقة عالمية تمنحها البشرية لدولة محببة تتحول خلال فعالياتها إلى عاصمة للتقارب والترويح والفرح الإنساني.
ولو طرحنا السؤال اليوم فإن أغلب الإجابات الواقعية ستكون: ليس في المستقبل المنظور.
فإسرائيل تمتلك قدرات تقنية واقتصادية وبنية تحتية تسمح لها نظريا بتنظيم أي أحداث رياضية كبرى، لكن كأس العالم يختلف بقواعده وتطبيقه.
إنه مناسبة مودة وحب وسلام تتطلب قبولا دوليا واسعا، وتحتاج تفاعلا جماهيريا عابرا للقارات، وشعورا عاما بأن الدولة المستضيفة تمثل مساحة آمنة ومفتوحة للجميع دون تمييز ولا قيود.
وهنا تعظم المشكلة.
فمنذ عقود طويلة، ارتبط اسم إسرائيل بالصراعات والحروب والنزاعات والمؤامرات المستمرة.
وبينما ترى الحكومة الإسرائيلية أن سياساتها جزء من أمنها القومي، ينظر مليارات البشر حول العالم إلى سياساتها بوصفها سببا مباشرا لمعاناة الشعب الفلسطيني، وسببا في توترات عربية وإسلامية امتدت لمناطق كثيرة من محيطها الرافض لسياساتها.
وعليه فإن أي حديث عن استضافة إسرائيل لحدث عالمي بحجم كأس العالم يعد أمرا معقدا، مثقلا بالحذر وبأسوأ التوقعات.
فالمونديال يحتاج إلى جمهور مختلط يأتي من كل أصقاع الأرض دون قيود، بينما تواجه إسرائيل موجات متزايدة من المقاطعة والرفض والاحتجاج في عدد كبير من المجتمعات حول العالم.
المعضلة التي لا تفهمها دولة إسرائيل أن الصورة الذهنية للدول لا تبنى بشعور الدعم الإلهي، ولا القوة العسكرية والشبك والمتاريس، ولا بالتفوق التقني والاقتصادي، بل تبنى بالتنازل والمساواة والانفتاح وزرع الثقة.
والعالم المعاصر أصبح أكثر حساسية تجاه قضايا الحقوق الإنسانية والعدالة والتمييز ومناهضة الاحتلال والنزاعات المسلحة.
وكلما ارتبط اسم دولة بهذه الملفات، أصبح من الصعب عليها أن تقدم نفسها بوصفها منصة محبة وسلام للاحتفال العالمي الأعظم.
فهل يمكن أن يتغير ذلك يوما؟ والجواب النظري نعم من حيث المبدأ.
ولكن متطلبات ذلك التغيير لن تأتي عبر الملاعب الجديدة أو الحملات الإعلامية أو التحالفات السياسية.
بل عبر تحول عميق في طبيعة السياسة الإسرائيلية، وعلاقتها مع محيطها، وخصوصا أولئك الذين تعرضوا للتهجير والظلم من الفلسطينيين، وكلما اقتربت المنطقة من تسوية عادلة ومستقرة، وكلما تراجعت صور الحرب والعنف، وكلما أصبحت تطلعاتها وتحركاتها الحكومية أكثر واقعية، ازدادت فرص تحول إسرائيل إلى دولة طبيعية في نظر أغلبية دول العالم.
أمر يصعب تخيله وسط غطرسة إسرائيل الحالية، وقد يحتاج التحول إلى عقود طويلة، تذوب فيها أفكار أجيال العنصرية والتوجس.
أما إذا استمرت صراعاتها الحالية، وحالات استقطابها الحاد من خلال الضغط الأمريكي وحيلة الأديان الإبراهيمية، فإن الحديث عن كأس عالم في إسرائيل سيبقى أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى المشروع الإنساني.
يعد كأس العالم لكرة القدم استفتاء عالميا على صورة الدولة المستضيفة أمام الإنسانية.
ولذلك فإن الطريق إلى المونديال لا يمر إلا عبر السلام والثقة والقدرة على إقناع العالم بأن الفرح يمكن أن يعيشه الجميع على تلك البقعة من الأرض، بتقارب وتعاون دون توجس وكيد ولا مؤامرات، ولا نيات سيئة واختراقات وفضائح، ولا تسيس للمناسبات الرياضية المعبرة عن عظمة التاريخ الإنساني.
shaheralnahari@