ياسر عمر سندي

عبادتك بينك وبين ربك

الخميس - 05 مارس 2026

Thu - 05 Mar 2026


في مواسم الطاعات، تتعدد العبادات، ويتسابق الكثيرون لفعل الخيرات؛ غير أن سؤالا يراودني: لماذا يتعمد البعض التصريح عن أعمالهم التعبدية في المجالس وعبر التطبيقات الاجتماعية؟

العبادة في أصلها علاقة سرية بين العبد وربه، قائمة على التوجه القلبي الصادق، وقد حذرنا نبينا الكريم من الرياء باعتباره أخفى الآفات تسميما للعبادات لتسلله إلى قلب الإنسان.

وعلى سبيل المثال عبادة بذل الصدقات، قال تعالى «وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم»، وبرأيي، فإن الخيرية في إخفائها تكمن في سببين:
الأول: إظهار العبادة وتحويلها لمادة معلنة متداولة قد يفتحان باب العجب والزهو المذموم الذي يخالج النفس البشرية الضعيفة، قال عليه الصلاة والسلام «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».

الثاني: قد يؤدي إظهار العبادة بالتحدث والتصوير إلى حصول الأذى النفسي للمتصدق عليهم والإحساس بالحسرة للمستمع والمشاهد ممن لم يتمكنوا من أداء العبادات إما لانشغالهم أو مرضهم أو ضيق حالهم أو قلة مالهم.

نسمع ونرى من البعض في أحاديثهم المباشرة أو موادهم المصورة؛ أنه ذاهب لأداء العمرة أو سيذهب للاعتكاف بالمسجد الحرام أو قرر الزيارة للمدينة المنورة، أو ختم القران عدة مرات، أو ينشر مقاطع تفطيره لعدد من الصائمين أو كيفية تصدقه على المحتاجين، أو تسجيله لقطات ذهابه لصلاة القيام والتراويح.

ورد عن السلف الصالح أنهم كانوا يحرصون على إخفاء عباداتهم كما يخفي الإنسان ذنوبه، وكان أحدهم يفعل الخير الخفي بأنواعه أعواما طويلة وأقرب الناس له لا يعلمون بذلك. لأنهم أدركوا أن أعظم لذة في الطاعة هي لذة أداء العبادة الخفية؛ حين يكون الله تعالى وحده شاهدا على عبادة عبده وطريقة تقربه.

ليس المقصود الإشارة لفساد النوايا العامة؛ ولكن التحذير من التحدث في المجالس وعلى المنصات لتلميع الذات والترويج من باب الظهور والثرثرة عن المنجزات وانتظار التغذية الراجعة من المشاهدات.

نحن نعيش زمن الماديات وسرعة الاتصالات، وأصبح ضبط النفس عن شهوة التباهي أمرا صعبا، وأضحت إغراءات الظهور أكثر انتشارا واختلط الحابل بالنابل، والشيطان لا يثني الإنسان عن العمل الصالح مباشرة بل يزين له إظهاره والتحدث عنه حتى يفسده عليه؛ فالقبول ليس بكثرة العمل، بل بصدق الإخلاص وتوفيق الله على الاستمرار.

إن عدم المجاهرة بإظهار العبادة يجعل منها أكثر استشعارا بقربها وحبها والمداومة عليها، وتبقى القاعدة ثابتة بأنه كلما كان العمل أخفى كان أرجى للقبول، وأبعد عن شوائب الرياء.

قال صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه.

همسة صاخبة... من جعل بينه وبين ربه سرا في عبادته أرضاه ربه وأسر خاطره.

Yos123Omar@