شاهر النهاري

مشاعر المواطنين ساعة الخوف

الأربعاء - 04 مارس 2026

Wed - 04 Mar 2026

في زمن الحروب، يلتصق الخوف بالمواطن، فهو لا يمتلك القرار، ولا يلبس ثياب الجنود، ولا يرتقي المنابر.

خوف يجالسه في زوايا البيت، وفي منامه، متمنيا حياة مستقرة لا تمطر سماؤها لهبا.

مواطن لا يصنع القرار، ولا يرسم خرائط المعارك، لكنه يعيشها بنبضه، فهو أول من يستيقظ على الخبر العاجل، وآخر من ينام بعد أن يطوي شاشة الهاتف على وسادة من قلق لا يجد فوقها جوابا.

يتابع التصريحات كما يتابع نبض قلبه، ويبحث عن كلمة تطمئنه، عن نبرة ثقة، عن وعد صادق بأن الغد لن يكون أسوأ من اليوم.

المواطن البسيط يعرف حجمه في معادلات السياسة الكبرى.

يعلم أن العلاقات الدولية، والتحالفات، وموازين القوى ليست أوراقا في يده، وهو يعرف أن وطنه أم وبيت وذكريات وطفولة وحياة، تستحق أن تصان.

لذلك فهو يسمع في جوفه طبول التوتر، ويسابق العناوين الكبرى، ويفكر حتى في طريقه إلى عمله، وفي غياهب المستقبل، ووجوه أحبته.

في داخله صراع صامت بين خوف مشروع وواجب انتماء.

يخاف، ولكنه لا يسمح للخوف أن يتحول إلى فوضى.

يراقب حتى كلماته، يتجنب الإشاعة، يحذر من مشاركة خبر لم يتأكد منه، يشعر أن أي تغريدة قد تكون أخطر من رصاصة تفتح بابا للبلبلة.

يدرك أن الجبهة قد تهتز برفة جناح فراشة إذا طارت من قلة وعي.

قلق البسطاء ليس ضعفا، بل بيدر حب عميق للحياة.

هم لا يصرخون في الساحات، ولا يظهرون في نشرات التحليل السياسي، لكنهم يحملون الوطن في صدورهم.

يخافون، ويزدادون عشقا، ويرون في استقراره استمرار حياتهم، وفي أمانه سعادة ذرياتهم.

لقد جربنا هذا القلق في بلاد عربية كثيرة؛ شعوب رأت بأعينها كيف يمكن أن تنقلب الموازين في أيام عكس رغبتها، وكيف تتحول المدن من مراكز حياة إلى ساحات نزاع، وتتدخل قوى من داخل الوطن والإقليم وخارجها لتبديل تفاصيل المصير.

تلك الصور المرعبة لا تغادر ذاكرة المواطن، ولذلك يصبح أي توتر جديد في محيطه استدعاء مباشرا لذاكرة الخوف والألم.

ومع كل ذلك، فالمواطن البسيط لا يفقد الرجاء؛ يتمنى أن تكون القرارات المتخذة من قادته محسوبة بحكمة، وبرؤية واضحة، وأن تكون مصلحة الوطن فيها فوق كل اعتبار.

هو لا يطلب بطولة شخصية، ولا يبحث عن دور يفوق قدرته؛ يريد أن يبقى لبنة صالحة في بنيان قوي متماسك، أن يؤدي ما عليه بصدق، وأن ينام ليلا دون أن تتنازع الاحتمالات رأسَه.

في زمن الحروب، يصبح الدعاء لغة يومية؛ يرفع يديه في صمت، يسأل الله أن يبعد الشر، وأن يدل الحاكم، وأن يحفظ البلاد والعباد، وأن يرد كيد الحاسدين، وأن تمر العاصفة بسلام.

وهو يعرف أن صوته قد لا يصل إلى مراكز القرار، لكنه يؤمن بأن صدقه يصل إلى السماء.

هكذا يعيش المواطن البسيط قلقه، لا اعتراض ولا هروب، بل حب يتدفق.
حب لوطن يتمنى أن يراه دائما آمنا عزيزا شامخا.

ويظل المواطن البسيط واقفا بين الخوف والرجاء، يحمل وطنه كما يحمل الأب طفله في ليلة حمى عاصفة؛ هو لا يملك إيقاف الأعراض، لكنه يملك أن يحتضن بحب وصبر ورجاء.

shaheralnahari@