برجس حمود البرجس

"مناقلة الصالات".. تنظيم وتواصل وانسيابية

الاثنين - 02 مارس 2026

Mon - 02 Mar 2026

لم تعد مناقلة الصالات في مطار الملك خالد الدولي مجرد إجراء تشغيلي عابر، بل أصبحت نموذجا عمليا لكيف يمكن للتحول المدروس أن ينعكس مباشرة على كفاءة التشغيل وجودة تجربة المسافر. فحين يكون التغيير جزءا من خطة واضحة، ويُنفذ ضمن استعداد مبكر، فإنه لا يربك الحركة، ويعيد تنظيمها على نحو أكثر فاعلية.

ما تحقق هنا ينسجم مع الخطة الرسمية التي أعلنها المطار ضمن تحول استراتيجي وُصف بأنه الأول من نوعه منذ افتتاحه قبل أكثر من 40 عاما، حيث جرى التأكيد على أن المناقلة تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية، وتعزيز سهولة التنقل بين الصالات، وتقليل مدد الانتظار بين الرحلات، بما يحسن تجربة المستفيد وجودة الخدمة. كما نصت الخطة على توزيع واضح: الصالة (5) للناقلات الأجنبية للرحلات الدولية، والصالتان (3 و4) للناقلات الوطنية للرحلات الداخلية، والصالتان (1 و2) للرحلات الدولية للناقلات الوطنية.

والنجاح في مثل هذه العمليات لا يبدأ يوم التطبيق، بل يبدأ قبل ذلك بوقت كافٍ. وهنا تبرز قيمة الإعداد المسبق: تجارب تشغيلية، واختبار للأنظمة، ورفع الجاهزية، وتنسيق بين الجهات ذات العلاقة. هذه ليست تفاصيل فنية معزولة، بل هي الأساس الذي يجعل القرار الكبير قابلا للتنفيذ بسلاسة، ويحول المشروع من مجرد فكرة تنظيمية إلى واقع تشغيلي مستقر.

وفي مرحلة التنفيذ، تتأكد قيمة التخطيط حين يواكبه حضور ميداني فعّال. فتعزيز الفرق الإرشادية والتشغيلية في الأيام الأولى، وتطبيق حلول مرنة لضبط أي تذبذب، هو ما يصنع الفرق بين انتقال منظم وانتقال مربك. وبحسب المعلومات، فقد انعكس ذلك في انسيابية الحركة، واستمرار التعامل مع أعداد كبيرة من الرحلات والمسافرين والحقائب دون تعثر مؤثر، وهو المؤشر الأهم على نجاح أي تحول تشغيلي بهذا الحجم.

الأثر الأهم لم يكن فقط في إعادة توزيع الرحلات، بل في ما ترتب على ذلك من تحسين فعلي في الاستفادة من البنية التحتية. فالمناقلة أسهمت في رفع كفاءة الصالات الداخلية، وزيادة قدرة العبور والرحلات المواصلة، وتحسين زمن الربط بين الرحلات الداخلية والدولية للناقلات الوطنية. وهذا يتسق مع ما أعلنته إدارة المطار رسميا بأن الهدف هو تعظيم الطاقة الاستيعابية وتقليل زمن الانتظار، ضمن مسار أشمل يستهدف رفع القدرة الاستيعابية إلى 56 مليون مسافر سنويا بنهاية هذا العام 2026م.

ومع النمو المتسارع الذي يشهده مطار الملك خالد الدولي، تبدو هذه الخطوة منطقية وضرورية. فالمطار أعلن سابقا تسجيل أيام قياسية في عدد الرحلات والمسافرين، منها يوم بلغ فيه عدد المسافرين 131 ألفا، إلى جانب أرقام قياسية في مناولة الأمتعة. هذه المؤشرات تؤكد أن الضغط التشغيلي يتزايد، وأن أي تحسين في توزيع الصالات لم يعد خيارا، بل ضرورة تفرضها وتيرة النمو.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن نجاح المناقلة لم يكن تشغيليا فقط، بل اتصاليا أيضا. فالحملة المصاحبة، أدت دورا حاسما في إيصال المعلومة للمسافر قبل الوصول إلى المطار وأثناء وجوده فيه: فيديوهات توعوية، محتوى رقمي، لوحات وشاشات، وفرق ميدانية ورسائل متعددة اللغات. وهذا هو النوع الصحيح من الاتصال في المشاريع الكبيرة؛ أن تصل الرسالة مبكرا، بوضوح، وفي الوقت الذي يحتاجها فيه المستفيد.

الخلاصة، إن مناقلة الصالات لم تكن مجرد نقل تشغيل من موقع إلى آخر، بل كانت خطوة محسوبة أعادت توزيع الحركة بكفاءة أعلى، ورفعت الجاهزية لمرحلة نمو أكبر، وقدمت مثالا على أن النجاح الحقيقي في المشاريع الكبرى لا يقاس بحجم التغيير فقط، بل بقدرة المؤسسة على جعل هذا التغيير سلسا وواضحا ونافعا للمسافر. وعندما يجتمع التخطيط المسبق، والتنفيذ المنضبط، والتواصل الفعال، تكون النتيجة تحولا ناجحا لا يشعر معه المسافر إلا بأن رحلته أصبحت أسهل.

Barjasbh@