المتأمل في سير الأجلاء السابقين من علماء الحرمين الشريفين خلال حوالي ثلاثة عقود مضت، يجد فوارق وتغايرات بينهم وبين جلَّ من خلفهم خارج دائرة المسجدين المقدسين، تتمثل في ركائز الخطاب وتمثلاته وأبعاده، وفي قيمة المنجز العلمي –خارج دائرة الحضور الوظيفي لشخصية العالم- في كلا الدائرتين.
ولن تتوقف عند سؤال هل أجدبت أروقة القداسة ومحاضن العلم والهدى أن تنجب علماء على ذات المنهاج وبذات السمت والمسلك، وابتغاء ذات المقصد.
بل سنتجاوز ذلك إلى تدبر المسافة بين ما كان يفيض به الحرمان من عطاء علمي ثر في علوم الشريعة كافة، وبين ماعداهما من أمكنة.
ولكوني مدنياً فقد أقصر حديثي في إطار المكان الذي حوت حصواته وأروقته وأركانه الفياضة بالنور، حياة زاهرة لأعلام أفذاذ، مثل: محمد الأمين الشنقيطي، ومحمد المختار الشنقيطي، وعطية محمد سالم، وعمر فلاته، وغيرهم ممن سبقهم من أخيار الأمة ورموزها.
وكانت السير الوضيئة لهؤلاء الربانيين قد ذاعت وشاعت، فأدرك الناس رسوخ قدمهم في العلم، وعلو قدرهم في الخلق، وتساميهم على الدنيا ومتاعها، ورفعة مكانتهم في مجال العلوم الشرعية.
وكان اثنان منهم، هما:محمد الأمين، وتلميذه عطية محمد سالم من نوابغ زمانهما، اشتهر الأول بتفسيره (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) وكان آخر علماء الأمة الذي يتخذ هذه المدرسة في التفسير، ويتصدى لهذا المنهج في تفسير كتاب الله، إضافة إلى سعة علمه، ونبوغه في الأصول والمنطق واللغة، فيما حوته مؤلفاته في هذه الفنون.
فيها ذاع ذكر الثاني في الفقه المقارن والقضاء، ثم التفسير الذي سار فيه على نهج أستاذه، فأكمل تفسيره، وبرَّه بذلك الصنيع.
وكان الانتماء للمكان وإيلائه مزيد إجلال واعتبار مكيناً في خلد أولئك، فاستفرغوا حياتهم في حوزته، وقصروها على التفقه في العلم والتبحر في آفاقه، والإخلاص له، وقد علم الله فيهم خيراً، فآتاهم من فضله فيه ما يصلهم بالصادقين من أوليائه، وارتفعوا به درجات خصها القرآن الحكيم بالذكر.
وارتفع بها شأنهم في الدنيا، فلاقوا ربهم منيبين، صانوا للعلم حرمته، والتزموا حدوده وفضائل وآداب الاشتغال به، بما أثر عنهم من مواقف وما عرف من سيرهم من دأب وهمة عليّة وزهد وتقي وورع.
لم يبادروا إلى ذي جاه أو سلطان، ولم يتكالبوا على تحصيل مكاسب دنيوية، مع علو المقامات الوظيفية التي تبوؤها، ولكنها كانت دون ما بلغوه في مقام العلم، فارتضوا ذلك المقام الذي لم يدانيهم فيه أحد.
ولأن الليلة لا تشبه البارحة، فقد انطوت مع غياب مثل هؤلاء، رمزية العالم وجلال حضوره، ومكانته المعتبرة في أذهان الناس.
واختلف الزمان والمكان، فلم تعد تسمع أن في ذينك المقدَّسين عالم أو مشتغل بالعلم يوازي حضوره أو شهرته رمزية المكانين في وجدان المسلمين.
إلا فيما ندر.
ثمة أبعاد للمقدَّسين غير البعد الديني العبادي المحض، فقد كانا جامعتين للعلم ومحضناً للعلماء.
ومقصداً لهم يسعون إليهما من كل البلاد.
اختلف الزمان والمكان وأضحى لمن يروَّج لعالميتهم، مشاهد أخرى، تحتفي بهم ويبادلونها الحفاوة، في عصر غير العصر، له موازينه وقياساته وحساباته الدقيقة.
ثمة أقنية تلفازية..وما إليها من مواقع وحسابات ومنابر، فكان أن تضاءل العلم وضمر، وتغيرت الوجوه، واختلفت الموازين والسنن، ذهب سدنة المعرفة والزهاد وأولوا الباع في علوم الدين، وجاء حملة الألقاب، وطلاب الشهرة والمناصب، وأساطين المخيمات والتجمعات ؛ وإن دققت في كثير منهم فلا تأصيل ولا مُكنة ولا عمق ولا أبعاد.
بل مناصب، أقرب إلى الوظيفة منها إلى الرسالة، وإلى التماهي بالأشياء والظروف والأحوال، منها إلى الموقف، وإلى الضحالة منها إلى العمق .
حلَّت رسائل الجيب والمطويات، ومغازلة مرامي العامة بدلاً عن المشاريع التأصلية المركزة الجامعة والمفصلة، والجهود المضنية في البحث والدرس والتأسيس، وصار اللاحقون أقرب إلى التنافس على تحصيل الأتباع، منهم إلى أولئك الذين رضي الله عنهم فأرضى عنهم الناس وحببهم فيهم.
والمظهر الأكثر وضوحاً؛ أن ليس ثمة علماء، بل نجوم تلفظهم قناة لتتلقاهم أخرى، وتزايد عليهم واحدة ليلحقوا بركبها ويتركوا الأولى.
وكثيراً ما توقفت أمام ما يشبه انحسار امتداد سلالة علماء الحرمين، وتراجع مركزية المقدَّسين العلمية لصالح فضاء أعم خارج دائرة الحرمين، أسلفنا الحديث عن بعض أقنيته، يختلط فيه العلماء الحقيقيون المخلصون، بغيرهم من أدعياء العلم وأشباه العلماء، وإذا ما تدبرت أمر جلهم، فلن تجد من مقومات العالم فيهم شيئاً مذكوراً، أعادوا عهود القصاصين والإخباريين، وأحياناً (الحكواتية)، لا يتركون منفذاً للتواصل أو الوصول إلا ولجوه، وإذا ما أمعنت النظر فيما يقدمونه، فليس أكثر من التكرار والاجترار، وانتهاز ما يصطنعه الإعلام من قضايا، بحثاً عن مزيد من الأتباع والأشياع، وعرض الدنيا وقيمة الأشياء، فبعدت المسافة التي تصلهم بقيم العلم ومقاصد الدين.
علماء.. وأشباه
محمد الدبيسي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
