بين «الذكاء الاصطناعي» و«الطبيب»
الثلاثاء - 24 فبراير 2026
Tue - 24 Feb 2026
في زمن السرعة الرقمية، أصبح الوصول إلى المعلومة لا يستغرق سوى ثوان معدودة، وبات الذكاء الاصطناعي جزءا من تفاصيل حياتنا اليومية، من العمل والتعليم إلى الصحة، غير أن بعض الأشخاص عند شعورهم بأي عارض صحي طارئ أو حتى عند إصابة أحد أبنائهم يسارعون باللجوء إلى «الذكاء الاصطناعي» لتشخيص الحالة بشكل عاجل، متجاهلين خطوة أساسية لا يمكن تجاوزها وهي زيارة الطبيب المختص.
والواقع أن هذه الممارسة رغم أنها تبدو مريحة وسريعة إلا أنها طريقة غير صحيحة، ولا يمكن أن تغني بأي حال من الأحوال عن الاستشارة الطبية المباشرة، فالطبيب لا يعتمد فقط على وصف الأعراض المكتوبة، بل يجري فحصا سريريا دقيقا، ويطرح أسئلة تفصيلية، ويأخذ بعين الاعتبار التاريخ المرضي والعوامل الوراثية ونمط الحياة، وكلها عناصر لا يمكن للذكاء الاصطناعي تقييمها بدقة كاملة من خلال بضعة أسطر يكتبها المريض.
ولا شك أن الذكاء الاصطناعي قد يضع أمام المريض كما هائلا من المعلومات والاحتمالات الطبية المختلفة، وهو ما قد يؤدي إلى تشتيت ذهنه بدل طمأنته، فعندما يقرأ الشخص أن الصداع مثلا قد يكون عرضا لإجهاد بسيط، أو التهاب جيوب أنفية، أو ارتفاع ضغط، أو حتى مشكلة عصبية خطيرة، فإنه يدخل في دوامة من القلق والافتراضات التي قد تزيد حالته النفسية سوءا، فكثرة الاحتمالات لا تعني دقة التشخيص، بل قد تفتح أبوابا من الوساوس الصحية التي لا مبرر لها.
ومن المعروف طبيا أن كثيرا من الأمراض تتشابه في أعراضها، فارتفاع الحرارة قد يكون نتيجة عدوى فيروسية عابرة، أو التهاب بكتيري يحتاج إلى مضاد حيوي، أو حالة التهابية أخرى تتطلب نهجا علاجيا مختلفا تماما، وآلام البطن مثلا قد تتراوح بين اضطراب هضمي بسيط إلى التهاب حاد يحتاج إلى تدخل عاجل، وهنا تكمن خطورة الاعتماد على قراءة سطحية للأعراض دون فحص متخصص وتحاليل دقيقة.
ومن أسوأ السيناريوهات أن يقتنع المريض بأن ما قدمه له «الذكاء الاصطناعي» هو التشخيص الصحيح، فيبدأ باستخدام بعض الأدوية المتوفرة في صيدليته المنزلية دون استشارة طبية، وهذا السلوك قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، سواء بسبب اختيار دواء غير مناسب للحالة، أو استخدام جرعة خاطئة، أو تداخلات دوائية غير محسوبة، فالأدوية تختلف في طبيعتها وخصائصها العلاجية اختلافا كبيرا، فهناك أدوية مخصصة لعلاج العدوى الفيروسية، وأخرى موجهة لمكافحة البكتيريا، وأخرى تستهدف أنواعا محددة من الجراثيم أو الالتهابات، كما أن استخدام مضاد حيوي في حالة فيروسية مثلا لا يحقق أي فائدة علاجية، بل قد يساهم في مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية مستقبلا، كما أن بعض الأدوية قد تكون غير مناسبة للأطفال أو كبار السن أو أصحاب الأمراض المزمنة، ما يستدعي تقييما دقيقا للحالة قبل وصف العلاج.
ومهما بدا المرض بسيطا في نظر المريض، فإن زيارة الطبيب تبقى الخيار الأكثر أمانا، فقد يتطلب الأمر إجراء بعض التحاليل الطبية أو الصور التشخيصية للتأكد من السبب الحقيقي للأعراض، فالتحاليل المخبرية وفحوصات الدم والأشعة، كلها أدوات تشخيصية لا يمكن تعويضها بالبحث الالكتروني أو الاستشارة الافتراضية غير المتخصصة، وبالتالي فإن التشخيص الدقيق هو حجر الأساس في العلاج الصحيح، وأي خطأ في هذه المرحلة قد ينعكس سلبا على مسار المرض.
ومما سبق لا يعني ذلك رفض التكنولوجيا أو التقليل من شأن وأهمية الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي، فهو أداة مساعدة قيمة في نشر التوعية وتقديم معلومات عامة، بل ويساهم في دعم الأطباء وتحليل البيانات الطبية الكبيرة، لكنه يظل وسيلة إرشادية لا بديلا عن التقييم السريري المباشر، فالفرق كبير بين الحصول على معلومات عامة وبين تلقي تشخيص طبي مبني على طب البراهين وفحص ومعاينة وخبرة علمية متراكمة.
الخلاصة: تبقى السلامة الصحية للجسم مسؤولية كبيرة تبدأ من الفرد نفسه، ومن وعيه بقيمة صحته، ومن إدراكه أن الجسد أمانة لا تحتمل المجازفة أو الاجتهاد غير المدروس، فالتوجه إلى الطبيب عند الشعور بأي عرض غير طبيعي ليس قرارا ثانويا بل خطوة حكيمة تعكس احترام الإنسان لنفسه وحرصه على حياته ومن يعولهم، فالذكاء الاصطناعي ومحركات البحث الأخرى مهما تطورت تبقى أداة مساعدة، أما التشخيص الدقيق والعلاج الآمن فيبقيان في يد الطبيب المؤهل القادر على رؤية الصورة كاملة، فصحة الإنسان ليست مجالا للتجربة، بل مسؤولية تستحق العناية والقرار الصحيح في الوقت المناسب، وسلامة صحتكم.