عبداللطيف محمد الحميدان

الشرق الأوسط بين الهيمنة الأمريكية والصعود الصيني والعودة الروسية

الثلاثاء - 24 فبراير 2026

Tue - 24 Feb 2026



يشهد الشرق الأوسط تحولا عميقا في طبيعته الاستراتيجية، حيث لم يعد مسرحا لصراعات إقليمية تقليدية بقدر ما أصبح نقطة تقاطع لمنافسة عالمية متعددة المستويات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. وهذا التحول لا يظهر في صورة حرب باردة كلاسيكية ولا في مواجهة عسكرية مباشرة، بل يتجسد عبر شبكة كثيفة من التموضع العسكري والاقتصادي والتكنولوجي والدبلوماسي تجعل أي حدث محلي قابلا لأن يتحول إلى قضية دولية واسعة التأثير. لهذا فإن المنطقة هنا لا تُدار فقط باعتبارها مصدرا للطاقة أو ساحة نزاعات تاريخية بل باعتبارها عقدة مركزية في النظام العالمي الجديد الذي يتشكل ببطء.

والولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه مجالا حيويا للحفاظ على النظام الدولي الذي قادته لعقود. ورغم الحديث المتكرر عن تقليص الانخراط، فإن واشنطن لم تغادر فعليا بل أعادت تعريف حضورها. فالقواعد العسكرية تحولت من أدوات تدخل مباشر إلى أدوات ردع وإدارة توازن. والتحالفات الأمنية لم تعد مجرد حماية تقليدية بل أصبحت بنية لاحتواء منافسين عالميين. وواشنطن تسعى إلى ضمان أن تبقى طرق الطاقة مفتوحة وأن لا تتحول البنية التحتية الرقمية والاقتصادية في المنطقة إلى امتداد لنفوذ خصومها. وهذا الحضور المرن يمنح الولايات المتحدة قدرة على التأثير دون تحمل كلفة الهيمنة الكاملة، لكنه في الوقت ذاته يخلق فراغات جزئية تسمح لقوى أخرى بالدخول.

وفي المقابل تتقدم الصين عبر منطق مختلف يقوم على الاقتصاد كمدخل للسياسة. وبكين لا تقدم نفسها بديلا أمنيا مباشرا بل شريكا تنمويا طويل المدى. فالاستثمارات في الموانئ والطاقة والبنية التحتية الرقمية وشبكات الجيل الخامس تعني عمليا بناء نفوذ هادئ لكنه عميق. لأن الصين تدرك أن التحكم في سلاسل الإمداد والممرات التجارية يمنحها تأثيرا استراتيجيا دون الحاجة إلى قواعد عسكرية واسعة. وهذا النموذج يلقى قبولا لدى كثير من الدول لأنه يعد بالمكاسب دون شروط سياسية صارمة، لكنه في الوقت نفسه يثير قلقا غربيا متزايدا حول السيادة الرقمية والاعتماد الاقتصادي طويل الأمد.

وأما روسيا فتتحرك بمنطق القوة المحدودة عالية التأثير. حيث إن موسكو لا تملك الموارد الاقتصادية الصينية ولا الشبكة التحالفية الأمريكية لكنها تعوض ذلك بالمرونة العسكرية والدبلوماسية. فالتدخلات المحدودة وصفقات السلاح والعلاقات مع أطراف متعارضة تمنح روسيا دور الوسيط القادر على تعطيل التوازنات أو إعادة تشكيلها. ولهذا فإن موسكو تدرك أن الشرق الأوسط يوفر لها منصة لإثبات حضورها كقوة عالمية وللتأثير في أسواق الطاقة العالمية التي تشكل أحد أعمدة قوتها الاستراتيجية.

وهذا التنافس يتجسد عبر أدوات متشابكة تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي ومنها:

- القواعد العسكرية أصبحت رسائل ردع أكثر من كونها منصات حرب.

- صفقات الطاقة تحولت إلى أدوات اصطفاف سياسي طويل المدى.

- التسليح لم يعد تجارة فقط بل بناء علاقات أمنية وهيكل اعتماد متبادل.

- النفوذ السياسي يمارس عبر الوساطات والاستثمارات والتكنولوجيا وليس عبر التحالفات الصلبة فقط.

والخطورة الاستراتيجية تكمن في أن هذه الأدوات تعمل في وقت واحد داخل مساحة جغرافية واحدة مليئة أصلا بالأزمات البنيوية. وأي تصعيد محلي يمكن أن يختبر حدود التنافس العالمي. ومثال ذلك فإن أي أزمة بحرية قد تتحول إلى اختبار حرية الملاحة العالمية، وأي توتر طاقي قد يعيد رسم تحالفات اقتصادية، وأي صراع داخلي قد يصبح ساحة تنافس بين نماذج الحكم والتكنولوجيا والبنية التحتية.

الشرق الأوسط بهذا المعنى لم يعد هامشا في النظام الدولي بل أصبح أحد مختبراته الأساسية. لأن القوى الكبرى لا تسعى إلى حسم الصراع داخل المنطقة بل إلى إدارة التوازن ومنع الخصوم من تحقيق تفوق حاسم. وهذا يخلق حالة من الاستقرار الهش، حيث يتم احتواء الانفجارات دون معالجة جذورها. والنتيجة هي منطقة تعيش في مستوى دائم من التوتر المنخفض والكثيف الذي يسمح باستمرار المنافسة العالمية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

والمفارقة أن دول المنطقة لم تعد مجرد ساحات، بل أصبحت فاعلة تستخدم التنافس العالمي لتعظيم خياراتها. وتنويع الشراكات والتوازن بين القوى الكبرى يمنح هامشا سياديا أكبر، لكنه يزيد أيضا من تعقيد المشهد. فالقرارات الاقتصادية أو التكنولوجية المحلية تحمل أبعادا جيوسياسية أوسع مما كان عليه الحال في السابق. لأن السيادة لم تعد مسألة حدود فقط بل مسألة بيانات وبنية تحتية وسلاسل إمداد.

المسار المستقبلي يشير إلى أن الصراع العالمي داخل الشرق الأوسط سيتعمق لا عبر الحروب الكبرى بل عبر التداخل البطيء بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا. لهذا فإن المنطقة ستبقى مساحة اختبار للتوازن بين نموذج الهيمنة التقليدية ونموذج النفوذ الشبكي. والخطر الحقيقي ليس اندلاع حرب عالمية من الشرق الأوسط بل أن تتحول كل أزمة فيه إلى نقطة احتكاك بين قوى كبرى ما يجعل إدارة الأزمات أكثر تعقيدا وأقل قابلية للحسم. وفي هذا السياق يصبح الاستقرار مسألة إدارة تنافس دولي بقدر ما هو معالجة صراعات محلية وهو ما يضع الشرق الأوسط في قلب التحول التاريخي للنظام الدولي وليس على الهامش.