المنهجية في تسبيب الأحكام القضائية
الثلاثاء - 24 فبراير 2026
Tue - 24 Feb 2026
ليس الحكم القضائي مجرد نتيجة تعلن في نهاية جلسة، بل هو بناء فكري متكامل تتجسد فيه سلطة القاضي، ويظهر من خلاله مدى التزامه بالقانون. ومن هنا جاءت أهمية المنهجية في تسبيب الأحكام القضائية؛ فالتسبيب ليس إجراء شكليا، بل هو جوهر الحكم وروحه، ودونه يفقد الحكم قيمته القانونية والرقابية.
يقصد بتسبيب الحكم بيان الأسباب الواقعية والقانونية التي قادت القاضي إلى النتيجة التي انتهى إليها. والتسبيب يختلف عن مجرد سرد الوقائع أو إعادة صياغة دفوع الخصوم؛ فهو عملية عقلية منظمة تظهر كيف تم الانتقال من الوقائع الثابتة إلى القاعدة القانونية، ثم إلى النتيجة النهائية. فالحكم غير المسبب أو الذي يكتفي بعبارات عامة لا يمكن الخصوم ولا جهة الطعن من الوقوف على سلامة تطبيق القانون.
والمنهجية السليمة في التسبيب تبدأ أولا بضبط الوقائع. فالقاضي ملزم بتمحيص عناصر النزاع، وتحديد الوقائع الجوهرية المؤثرة في الفصل فيه، واستبعاد ما لا أثر له. ثم تأتي مرحلة التكييف القانوني، وهي من أدق مراحل العمل القضائي؛ إذ يحدد القاضي الوصف القانوني الصحيح للوقائع، تمهيدا لاختيار النص واجب التطبيق. وبعد ذلك ينتقل إلى بيان القاعدة القانونية وتفسيرها عند الحاجة، سواء وفق دلالتها اللفظية أو في ضوء مقاصد المشرع.
في هذه المرحلة يتجلى ما يعرف بالقياس القضائي، حيث تتكون بنية الحكم من ثلاث حلقات مترابطة: مقدمة كبرى تمثل القاعدة القانونية، ومقدمة صغرى تمثل الوقائع الثابتة، ونتيجة تمثل الحكم. فإذا كانت القاعدة تنص على حكم معين متى توافرت شروط محددة، وثبت للقاضي تحقق تلك الشروط في الواقعة المعروضة، تعين عليه الوصول إلى النتيجة التي يفرضها القانون. وهذه البنية المنطقية تمنح الحكم تماسكه، وتظهر أن النتيجة ليست وليدة تقدير شخصي، بل ثمرة استدلال منظم.
ولا تقتصر أهمية التسبيب على كونه أداة فنية، بل يؤدي وظائف متعددة. فهو أولا ضمانة للمتقاضين، إذ يكشف أن الحكم لم يصدر بدافع الهوى أو الميل، بل نتيجة تحليل معلن. وهو ثانيا وسيلة لتمكين جهة الطعن من ممارسة رقابتها على صحة تطبيق القانون. كما أنه يعزز ثقة المجتمع بالقضاء، لأن العدالة التي تبرر وتعلل أقدر على الإقناع من عدالة تعلن دون بيان أسبابها.
غير أن التسبيب قد يشوبه قصور، كإغفال الرد على دفع جوهري، أو الاستناد إلى أسباب متناقضة، أو إيراد عبارات عامة لا تكشف عن حقيقة الاستدلال. ومثل هذه العيوب لا تعد أخطاء شكلية فحسب، بل تمس سلامة الحكم ذاته، وقد تؤدي إلى نقضه. فالحكم القوي ليس الذي يصاغ بلغة منمقة، بل الذي يقوم على أسباب واضحة، متسلسلة، ومتصلة بالوقائع والنصوص اتصالا مباشرا.
خلاصة القول، إن المنهجية في تسبيب الأحكام تعني أن يفكر القاضي بطريقة منظمة، وأن يظهر هذا التفكير في صياغة حكمه. فالتسبيب هو الجسر بين القانون والواقع، وهو الأداة التي تتحول بها سلطة القاضي إلى عدالة مبرهنة. وكلما كان التسبيب منضبطا في منهجه، واضحا في منطقه، شاملا في معالجته، كان الحكم أقرب إلى الصواب، وأدعى للقبول، وأقوى في مواجهة الرقابة والطعن.