خالد العويجان

السعودية الحديثة التي أثارت الجميع

الثلاثاء - 24 فبراير 2026

Tue - 24 Feb 2026



اعتادت على الصبر والصمت. لا تفضل المهاترات، ولا المناكفات، ولا حتى المزايدات. لديها قدرة على تلقي السهام بكل أريحية وتعال. لم تلتفت لحملات المأجورين، ولا عبدة الشيكات برقم وتاريخ، ولا عاشقي الأخضر المسموم.

سياستها حليمة، صبرها إلى أبعد مدى، قيادتها حكيمة، وشعبها جبار قوي عتيد، لا يقبل الكلمة على بلاده، معروف عنه التضحيات والقوة والذكاء وطول النفس.

لدى السعودية حزمة من المميزات المتفردة، مثل ماذا؟ اللحمة التي تشكلت منذ التأسيس بين القيادة والمجتمع. يستطيع أي سعودي الذهاب لمجلس الملك أو ولي العهد، ويخاطبه بالاسم؛ بلا ألقاب ولا تكلف، ويأخذ حقه الذي جاء من أجله، ويكرم، ويعود حيث جاء. هذه المشاهد لا تروق للبعض ممن يفتقدون شكل العلاقة العميقة التي أتحدث عنها.

ماذا بعد؟ التحديث الذي طرأ بعد تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، فالدولة التي انتقلت من محور إلى محور بإشراف ومتابعة من ولي العهد، أقلقت الكثير في المنطقة. وبكل أسف لا بد أن نلامس كبد الحقيقة. من ضمن أولئك بعض الجيران.

ثمة ما يغفل عنه الكثير، ما المقصود؟ التحول الاستراتيجي الإقليمي، وتبدل موازين القوى العالمية، خلال العشر سنوات الماضية على أقل تقدير، والذي نالت من خلاله الرياض استحقاقا بجدارة، وليس منة من أحد، الثقل الأقوى في المنطقة، وباتت الأكثر ثقة من الناحية العالمية، أحد أهم عوامل حالة الاستياء السياسي لدى بعض دول المنطقة، وهذا برأيي مكشوف وليس بحاجة إلى اجتهاد.

أن يأتي أقوى رؤساء العالم للعاصمة السعودية، بحثا عن تأطير العلاقات التاريخية مع المملكة، فهذا مثير. وأن تستشار الرياض في كل ملفات المنطقة، كبيرة أو صغيرة، هذا أيضا ملفت. وأن تكون عواصم القرار المؤثرة دوليا كلها آذان صاغية للمملكة ورأيها السياسي الراجح، فهذا بالطبع مقلق للكثير، بما في ذلك كما أسلفت «الجيران»، وبكل أسف بعض المحسوبين على أنهم أشقاء.

وأن تتسابق كبريات الشركات العالمية لافتتاح مقرات على الأراضي السعودية، من منطلق أنها قوة اقتصادية إقليمية وعالمية، فذلك نسف كثيرا من الأفكار والتصورات التي كانت قائمة فيما مضى على مفهوم أحادية امتلاك بعض المدن المجاورة (دبي وأبو ظبي)، للمقومات التي تحتاجها رؤوس الأموال المهاجرة من الغرب والعالم الآخر صوب الخليج.

على هذا الأساس يمكن فهم حالة الضجيج والاستقطاب السياسي الحاد، الذي تسبب به تباين وجهات النظر بين الرياض وأبو ظبي مؤخرا، ودفع بكل أسف بعض وسائل الإعلام، والنخب، لا سيما وبكل مصداقية في دولة الإمارات العربية المتحدة، لتجسيد أبرز وأهم أشكال المراهقة السياسية والإعلامية، التي اعتمدت على الانحدار الأخلاقي والاجتماعي، وتزييف الحقائق، من باب استغباء المتلقي، في صورة لا تمت لمفاهيم جبهات الدفاع الوطنية، التي تم القفز عليها وتحويلها لحصان طروادة، بأي صلة لا من قريب ولا من بعيد.

لذلك باتت كثير من الآراء مهزوزة، لا سيما التي لا تستند على حقائق تاريخية أو واقعية، وانحرفت عن سياقها الطبيعي، وتحولت جلها إلى مجال للتندر والتهكم، خصوصا تلك التي حاول أصحابها مواجهة السردية الحقيقية، بتوجيه العتب الدبلوماسي للسعودية نتيجة عدم صمتها على إمكانية تعرض أمنها القومي للخلل، المقرون بما سمي بتضحيات الإمارات؛ حسب ما ساقت صحيفة البيان الإماراتية ذات مرة، وذلك برأيي عدم احترام، قائم على تضليل للرأي العام الإماراتي بالدرجة الأولى، يشبه إلى حد كبير، قول أبو ظبي عبر بيان صدر عن وزارة دفاعها بعد الطلب الرسمي اليمني بمغادرتها الأراضي اليمنية، أنها سحبت قواتها بمحض إرادتها.

دون شك بالضرورة تقدير تضحيات أبناء الإمارات الشرفاء، إنما من باب إحقاق الحق، يجب القول إن أبو ظبي دخلت برغبتها عضوا بتحالف دعم الشرعية في اليمن عام 2015، وقبلت بالأساسيات والأهداف التي قام عليها ذلك التكتل العسكري، لكنها مع الوقت انحرفت عما جاءت له، وذهبت للبحث عن مصالحها التي تفترض حصولها على موطئ قدم في دولة مفككة، على حساب الهدف الاستراتيجي الذي تقوده الرياض، وذهبت إلى دعم ميليشيات لا تظهر ولا تبطن للشقيقة الكبرى السعودية خيرا.

ما لا يفهمه الأشقاء في الإمارات، أن دعمهم لبعض الأجنحة السياسية، مسلحة كانت أم لم تكن، بعيدا عن كونه مضرا من الناحية الأمنية للسعودية، باعتباره شوكة في خاصرتها، فإنه مضر لشرعية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

وذا يبدد أسباب انخراطهم في التحالف ويفرغه من مضمونه، باعتبار أن المشاركة الإماراتية بنيت على استعادة الشرعية؛ ما سيضع الدولة في أبو ظبي بحرج في أعين الإماراتيين، خصوصا ذوو الشهداء الكرام.

إن ميزان الربح يميل إلى صالح المملكة التي استطاعت قول كلمتها ورفضت تشتيت اليمنيين. ويتبقى ما يمكن وصفه بالخسارة المؤجلة، إن مضت الشقيقة الصغيرة في سياساتها غير المدروسة، واعتمادها على حفنة المطبلين الأغراب، الباحثين عن ارتداء الكندورة، بالخداع وبيع الوهم.

يجهلون أنه ليس من ديدن السعوديين، رسميا وشعبيا، المزايدة والمتاجرة بالملفات العربية. بقدر حماقتهم؛ يتذاكون لكنهم مكشوفون.

الحقيقة؛ إن السعودية الحديثة.. أثارت الجميع.