مطير سعيد الزهراني

الرسوخ التاريخي للدولة السعودية

السبت - 21 فبراير 2026

Sat - 21 Feb 2026



تستحق التجربة السعودية أن تقرأ بوصفها واحدة من أكثر التجارب السياسية استقرارا في تاريخ المنطقة الحديثة، فمنذ انطلاقتها الأولى في الدرعية، تشكل مشروع دولة واع بطبيعة المجتمع الذي ينطلق منه، ومدرك لتعقيدات محيطه، وقادر على إعادة بناء نفسه كلما تبدلت الظروف، فثلاثة قرون من التحولات لم تضعف هذا الكيان، بل صقلت بنيته ورسخت حضوره، حتى أصبح نموذجا لدولة تعرف جذورها وتحسن إدارة حاضرها وتستشرف مستقبلها بثقة، ومن هنا تأتي أهمية يوم التأسيس بوصفه محطة تأمل في تجربة أثبتت قدرتها على البقاء والتطور معا.

ولم يكن هذا الاستمرار نتيجة ظرف موات، ولا حصيلة تفوق عسكري عابر، بل ثمرة بناء داخلي متماسك تشكل في لحظة التأسيس الأولى، فقد قامت الدولة على إدراك مبكر بأن الاستقرار ليس إجراء أمنيا فحسب، وإنما منظومة متكاملة تنظم العلاقة بين القيادة والمجتمع، وتمنح الناس شعورا بالانتماء إلى كيان يحمي مصالحهم ويعكس قيمهم، وهذا العمق في مفهوم الدولة منحها شرعية راسخة تجاوزت حدود اللحظة التاريخية.

ارتبطت الدولة منذ نشأتها بإطار قيمي واضح، صاغ سلوكها العام، وحدد موقعها من المجتمع، ورسخ فكرة المسؤولية بوصفها أساس الحكم، وعندما تتأسس السلطة على قاعدة أخلاقية معترف بها اجتماعيا، فإنها تكتسب ثقة طويلة الأمد، وتتحول من إدارة يومية إلى مرجعية مستقرة، فالتجارب السياسية تثبت أن الدول التي تنفصل عن منظومة مجتمعها تفقد تدريجيا قدرتها على الاستمرار، بينما تلك التي تنبع من بيئتها تكتسب مناعتها من داخلها.

وإلى جانب الشرعية، برز عنصر التماسك الاجتماعي بوصفه ركيزة ثانية في معادلة البقاء، فقد استطاعت الدولة السعودية أن تعيد تنظيم التنوع الاجتماعي ضمن إطار جامع، يحقق التوازن بين الخصوصيات المحلية ومتطلبات الوحدة السياسية، وهذا التنظيم لم يلغ الفوارق الطبيعية، وإنما دمجها في بنية واحدة، ما خلق شعورا متبادلا بالمسؤولية؛ فالدولة توفر الحماية والنظام، والمجتمع يمدها بالدعم والالتفاف، وفي مثل هذه الصيغة تتجاوز العلاقة حدود المنفعة المؤقتة، لتصبح شراكة في المصير.

أما الركيزة الثالثة؛ فتجلت في قابلية الدولة للتكيف والتطور عبر الزمن، فالمسار السعودي لم يكن مسارا سهلا أو أحادي الإيقاع، بل مر بمراحل تاريخية متباينة فرضت تحديات متعددة، غير أن كل مرحلة جاءت استجابة لواقع مختلف وبأدوات أكثر ملاءمة، مع الحفاظ على الامتداد المتصل بالجذر الأول، وهذه المرونة الاستراتيجية، التي تجمع بين صيانة الهوية وتطوير المؤسسات، منحت الدولة قدرة على مواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز البناء وترسيخ الحضور.

عندما ننظر إلى الحاضر، نجد أن هذا الإرث لم يتحول إلى ذكرى جامدة، بل إلى أساس تبنى عليه مشاريع التحول والتنمية، فالدولة التي بدأت من وعي بأهمية الاستقرار أصبحت اليوم فاعلا مؤثرا في الاقتصاد والثقافة والسياسة الدولية، مستندة إلى خبرة تاريخية طويلة في إدارة التحول دون فقدان التوازن، وهذا الامتداد يعكس فهما عميقا لطبيعة الزمن السياسي؛ فالبقاء لا يتحقق بالجمود، وإنما بحسن قراءة اللحظة.

إن يوم التأسيس، في هذا السياق، ليس مناسبة عاطفية عابرة، بل لحظة إدراك لمعنى الرسوخ ذاته، كما أنه استدعاء لتجربة أثبتت أن الدولة حين تقوم على شرعية راسخة، وتبني مجتمعا متماسكا، وتمتلك إرادة التطوير، فإنها تكتب حضورها في التاريخ بثبات، وهنا يكمن جوهر التجربة السعودية: دولة لم تكتف بالبداية، بل صنعت لنفسها مقاما ثابتا في مسار الزمن.