باسم سلامه القليطي

من جذوة التأسيس إلى وهج المستقبل

السبت - 21 فبراير 2026

Sat - 21 Feb 2026



المملكة العربية السعودية ليست مجرد وطن تحده الجغرافيا، ولا دولة ولدت في لحظة سياسية عابرة، بل هي قدر تاريخي تشكل عبر قرون من الإيمان، وتراكم عبر أجيال من الصبر، وتضحيات جسام، وأدعية لا تنقطع. أرض اختارها الله لتكون مهبط الوحي، وقبلة القلوب، فصار شرف المكان جزءا من هوية الإنسان. في مكة المكرمة تتنفس الأرواح طمأنينتها، وفي المدينة المنورة تستريح القلوب على أعتاب النبوة، وبينهما يمتد وطن يعرف كيف يكون حاملا للرسالة، لا مجرد مساحة على خارطة.

وحين نتصفح صفحات التأسيس الأولى، لا نقرأ قصة سلطة تبحث عن نفوذ، بل مشروع أمة تبحث عن حياة. فالإمام محمد بن سعود لم ينهض بدولته من فراغ، ولم يستمد شرعيته من قوة السلاح وحده، بل من وعي عميق بحقيقة الإنسان، وحاجة المجتمع إلى الأمن، وضرورة الاجتماع بعد طول فرقة. أدرك أن الأرض التي تتنازعها القبائل لا تنهض، وأن القلوب التي تتخاصم لا تبني.

ومنذ تأسيس السعودية الأولى، بدأت الدولة ترسم ملامح نموذج مختلف، دولة لا تكتفي ببسط النفوذ، بل تسعى لبسط العدل، ولا تقف عند حدود السيطرة، بل تمضي نحو بناء الإنسان. فانتشرت الطمأنينة في الديار، وخفت صوت الخوف، وارتفع صوت العلم، وتحول الاستقرار إلى حاضنة طبيعية للعمران والاقتصاد والمعرفة. لم تكن الدرعية حينها عاصمة سياسية فحسب، بل قلب نابض بالحياة، ومنارة إشعاع في زمن كانت فيه المنطقة تتخبط في الفوضى والاضطراب.

ثم تعاقبت السنين، وتبدلت الظروف، وتكسرت الدول، لكن الفكرة لم تمت، والجذوة لم تنطفئ، حتى جاء الملك عبدالعزيز رحمه الله، يحمل في قلبه حلم الأسلاف، وفي عقله دهاء القادة، وفي روحه يقين المؤمنين. فبدأ رحلته الشاقة لتوحيد الشتات، ولم الشمل، وبعث الروح في جسد الوطن. لم تكن معركته معركة حدود، بل معركة وعي، ولم يكن مشروعه توسعا، بل إعادة بناء، فصنع دولة قامت على التوحيد، واستندت إلى الشريعة، واتكأت على الإنسان، فكان له ما أراد، وكتب الله على يديه ميلاد المملكة العربية السعودية الحديثة.

إن يوم التأسيس ليس محطة احتفالية نمر بها، بل وقفة وعي نتأمل فيها معنى الوطن، ونستعيد فيها قيمة الانتماء. هو يوم نراجع فيه علاقتنا بالأرض، وبالتاريخ، وبالمسؤولية. يوم نتذكر أن هذا الكيان العظيم لم يُهد إلينا هدية، بل وصل إلينا محملا بتضحيات ثقيلة، ودموع صامتة، وآمال كبيرة. ومن الظلم لأنفسنا قبل وطننا أن نختزل هذه القصة العظيمة في مظاهر عابرة، أو احتفالات شكلية، بينما حقيقتها أعمق وأبقى.

واجهت هذه البلاد منذ نشأتها موجات من التشكيك، وسهاما من الافتراء، وحملات منظمة لتشويه صورتها والنيل من ثوابتها، لكنها ظلت شامخة، لأنها قامت على أساس لا يتصدع: كتاب الله وسنة نبيه. فخدمة الحرمين الشريفين، ورعاية قاصديهما، وبسط الأمن، ونشر العدل، لم تكن شعارات، بل واقع يومي عاشه الملايين، وشهد به القاصي والداني. وكلما اشتد الضجيج حولها، ازداد يقينها بذاتها، ومضت في طريقها غير عابئة بزيف القول، ولا بزخرف الاتهام.

واليوم، وهي تخطو بثقة نحو المستقبل، برؤية طموحة ونهضة شاملة، تثبت المملكة العربية السعودية أن جذورها الراسخة هي سر قدرتها على التحليق. بعد توفيق الله تعالى، فهي تجمع بين أصالة الماضي وابتكار الحاضر، وتحفظ هويتها وهي تعانق العالم، وتبني اقتصادها وهي تصون قيمها. وفي يوم التأسيس، لا نحتفي بما كان فحسب، بل نجدد العهد لما سيكون، مؤمنين أن هذا الوطن سيبقى، بإذن الله، منارة توحيد، وراية عدل، ومأوى أمن، ما دام في أبنائه قلب ينبض بحبه، وعقل واع برسالته، وروح مستعدة لأن تبذل من أجله كل غال ونفيس.