فيصل الشمري

يوم التأسيس... رسوخ الدولة واستمرارية المشروع السعودي

السبت - 21 فبراير 2026

Sat - 21 Feb 2026



يمثل يوم التأسيس محطة محورية في التاريخ الوطني للمملكة العربية السعودية، إذ يستحضر لحظة انطلاق الدولة السعودية الأولى عام 1727م، حين تولى الإمام محمد بن سعود إمارة الدرعية، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الجزيرة العربية عنوانها بناء كيان سياسي مستقر في بيئة اتسمت آنذاك بالتفرق وغياب السلطة المركزية.

إقرار يوم 22 فبراير مناسبة وطنية رسمية لا يعكس مجرد احتفاء بتاريخ بعيد، بل يؤكد عمق الجذور السياسية للدولة السعودية، وامتدادها التاريخي لأكثر من ثلاثة قرون من الاستمرارية، رغم ما شهدته المنطقة من تحولات وصراعات إقليمية متعاقبة.

أولا: الدولة السعودية الأولى... التأسيس في سياق إقليمي مضطرب

في القرن الثامن عشر، كانت الجزيرة العربية تعيش حالة من التباين السياسي، مع تعدد مراكز النفوذ المحلي وغياب كيان جامع يحقق الاستقرار. في هذا السياق برزت الدرعية بوصفها مركزا مؤهلا لقيادة مشروع سياسي يسعى إلى توحيد محيطه وإرساء دعائم الأمن الداخلي.

مع تولي الإمام محمد بن سعود الحكم عام 1727م، بدأت ملامح الدولة السعودية الأولى تتشكل تدريجيا. اعتمد المشروع في بداياته على ترسيخ الاستقرار في نجد، وبناء تحالفات اجتماعية عززت من تماسك الكيان الناشئ. لم يكن الهدف توسعا جغرافيا بقدر ما كان تأسيس نموذج حكم قادر على ضبط الإيقاع الأمني والإداري في محيطه.

وخلال عقود قليلة، اتسع نفوذ الدولة ليشمل مناطق واسعة من نجد والأحساء وأجزاء من الحجاز. ورغم سقوط الدولة عام 1818م إثر الحملة العثمانية، فإن التجربة لم تنته بانتهائها؛ إذ عادت الدولة السعودية الثانية عام 1824م، مؤكدة أن فكرة الدولة كانت أعمق من ظرفها العسكري.

هذه الاستمرارية التاريخية تكشف أن المشروع السعودي لم يكن طارئا، بل كان تعبيرا عن حاجة مجتمعية للاستقرار، وعن قدرة قيادية على تحويل تلك الحاجة إلى كيان سياسي منظم.

ثانيا: الملك عبدالعزيز... إعادة البناء وتوحيد البلاد

مع مطلع القرن العشرين، كانت المنطقة تشهد تحولات كبرى في ظل تراجع النفوذ العثماني وتبدل موازين القوى. في عام 1902م، استعاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مدينة الرياض، في خطوة شكلت نقطة الانطلاق لمشروع إعادة توحيد البلاد.

على مدى ثلاثة عقود، قاد الملك عبدالعزيز مسارا سياسيا وعسكريا متدرجا، جمع بين الحسم الميداني وبناء التحالفات المحلية، وصولا إلى إعلان قيام المملكة العربية السعودية في 23 سبتمبر 1932م. لم يكن التوحيد مجرد امتداد جغرافي، بل كان انتقالا من مرحلة الكيانات المحلية إلى مرحلة الدولة المركزية ذات المؤسسات.

ومع اكتشاف النفط بكميات تجارية عام 1938م، دخلت المملكة مرحلة جديدة من البناء الاقتصادي والإداري. تأسست أجهزة الدولة الحديثة، وتعززت البنية المؤسسية، وبدأت عملية تطوير شاملة وضعت الأساس لمسار التنمية اللاحق.

قراءة هذه المرحلة تكشف أن الملك عبدالعزيز لم يكتف بإعادة السيطرة على الأرض، بل أعاد صياغة مفهوم الدولة في الجزيرة العربية، جامعا بين الشرعية السياسية، والاستقرار الأمني، وبناء المؤسسات.

ثالثا: مرحلة التجديد والتحول في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز

في السياق المعاصر، تشهد المملكة مرحلة تحول اقتصادي واجتماعي في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، بإلهام وطموح يقودهما ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله، عبر رؤية المملكة 2030 التي أطلقت عام 2016م. تستهدف الرؤية تنويع مصادر الدخل، وتعزيز كفاءة الإنفاق، وتمكين القطاع الخاص، وتوسيع قاعدة المشاركة في سوق العمل.

من زاوية أولى، يمكن قراءة هذه المرحلة بوصفها استجابة استراتيجية لتحولات الاقتصاد العالمي، وتقلبات أسواق الطاقة، والمتغيرات الديموغرافية. ومن زاوية ثانية، تمثل اختبارا لقدرة الدولة على إدارة تحول واسع النطاق مع الحفاظ على الاستقرار المؤسسي والاجتماعي.

المشروعات الكبرى، وإعادة هيكلة القطاعات الحيوية، وتحديث الأنظمة التنظيمية، تعكس توجها نحو إعادة صياغة دور الدولة اقتصاديا، دون المساس بثوابتها السياسية والتاريخية. وهنا تتجلى سمة بارزة في التجربة السعودية: القدرة على التكيف مع التحولات دون الانفصال عن الجذور.

يوم التأسيس ليس مناسبة رمزية عابرة، بل هو قراءة متجددة لمسار دولة استطاعت أن تحافظ على هويتها عبر ثلاثة قرون، رغم ما واجهته من تحديات داخلية وخارجية. من الدرعية إلى الرياض، ومن مرحلة التوحيد إلى مرحلة التحول الاقتصادي، ظل المشروع السعودي قائما على فكرة الدولة المستقرة في بيئة إقليمية متقلبة.

الاحتفاء بيوم التأسيس هو تأكيد على أن التاريخ السعودي سلسلة متصلة من البناء والتجديد، لا انقطاعات منفصلة. وإذا كان الماضي قد وضع الأساس، فإن الحاضر يختبر القدرة على تطويره، والمستقبل يراهن على استدامته.

وفي هذا المعنى، يبقى يوم التأسيس تذكيرا بأن قوة الدولة لا تقاس بعمرها الزمني فحسب، بل بقدرتها على الجمع بين الجذور الراسخة والطموح المتجدد.