أحمد علي الغامدي

نعمة الصندوق

الخميس - 12 فبراير 2026

Thu - 12 Feb 2026


قد يتبادر إلى الذهن عند قراءة العنوان أن هذا المقال سيتحدث عن صندوق الاستثمارات العامة، وهذا تفكير منطقي فهذا الصندوق السيادي المتعدد الأصول ذو التوجهات الجريئة والمتنوعة، وأثره على الاقتصاد وحياة الإنسان في مناحيها كافة، هو بحد ذاته نعمة تستحق أن يكتب عنها بمداد الفخر.

ولكنني في هذا المقال سأتحدث عن صندوق آخر ليس ماليا ولا سياديا على الإطلاق، بل هو صندوق مجازي مشاع، ليس مرئيا ولا محسوسا، وتعريفه اصطلاحا: هو اسم جامع يتضمن داخله جميع الأفكار والعادات، والتصرفات والحركات والسكنات، التي تعتبر عرفا لدى الناس ضمن الاعتياد، وداخل حدود المألوف لدى جمهور العامة والنخب في مختلف المجتمعات. 

هذا الصندوق هو المنظومة الضمنية، والإطار غير المكتوب الذي نتج عن تراكم الخبرات الجمعية، وهو الذاكرة المجتمعية الحية التي تختزل آلاف التجارب الناجحة والفاشلة، وهو أيضا نظام أمان يتحرك ضمنه الأفراد بشكل آمن ودون وعي لعلمهم أنهم داخل بنية اجتماعية صلبة ومجربة.

ما دفعني للكتابة عن هذا الصندوق هو أن هناك شبه إجماع مستحدث منذ زمن غير بعيد بين الناس بضرورة الخروج عن إطار هذا الصندوق، وعدم البقاء داخله لمن يرغب في التفرد والتميز على جميع الأصعدة! وهذا الإجماع هو إجماع منطقي جدا إذ إن الخروج عن المعهود يقتضى أن ينتج عنه ما هو غير مسبوق، وسواء كان هذا غير المسبوق سلبيا أو إيجابيا فهو بلا شك فريد من نوعه ومميز.

فتجد على أثر هذا الإجماع دعوات ورسائل مجتمعية متكررة، تدعو الأفراد إلى التفكير خارج الصندوق، وكسر المألوف، والخروج خارج الإطار التقليدي، والتحليق إلى فضاءات أوسع، وأكثر رحابة وتجددا. هذه الدعوات تدفعني دائما إلى التساؤل ما العيب في الصندوق تحديدا؟ ولماذا يربط الإبداع والابتكار بالخروج عنه؟ ومتى وكيف ارتبط البقاء ضمن إطاره بالكسل أو التراجع الإبداعي وضيق الأفق؟

مشكلتي مع هذا الخطاب السائد تكمن في إجحاف أهمية الصندوق، ومحاولة التشكيك في قدرة الناس على تحقيق النجاح داخل هذه البيئة الآمنة قد تدعو البعض إلى الخروج الاستعراضي وغير الواعي، والذي قد ينتج عنه كسر القواعد والفوضى، لا الإبداع ولا الابتكار. 

فعلى سبيل المثال في المجال العلمي، تبنى الأفكار الإبداعية التي يشار إليها بأنها (من خارج الصندوق) بناء على ما اكتسبه العلماء من معارف وخبرات ومفاهيم ونظريات محفوظة داخل الصندوق، وحين يدرك أولئك العلماء جوهر ذلك الصندوق يسهل عليهم أن يخرجوا خارج نطاقه خروجا واعيا ينتج عنه إبداع حقيقي. 

وبالمقابل، هناك فئات أخرى تجد في دعوات الخروج عن الصندوق، دعوة لنبذ المنهجية الواضحة للوصول لأي وجهة، فتجدهم يستبدلون الانضباط بالفوضى، والمخاطرة المحسوبة بالتجارب غير المحسوبة، ظنا منهم بأن كل مختلف هو إبداع بالضرورة، فتجدهم يسيرون بلا بوصلة، ويغادرون ذلك الصندوق دون إدراك أهمية وجوده أصلا!

ختاما، الخروج من الصندوق ليس غاية بحد ذاته، ولا يفضي إلى الإبداع بالضرورة! ولم أكتب ما كتبت دفاعا عن الجمود، بل لإعادة تعريف العلاقة بين المنهجية والابتكار، وللتذكير أن الخروج من مكان يقتضي دخوله أولا!

alghamdi2_a@